Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً }

جملة { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } استئناف واصل بين جملةإن الله بعباده لخبير بصير } فاطر 31 وبين جملةقل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض } فاطر 40 الآية، فتسلسلت معانيه فعاد إلى فذلكة الغرض السالف المنتقل عنه من قولهوإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } فاطر 25 إلى قولهإن اللَّه بعباده لخبير بصير } فاطر 31، فكانت جملة { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } كالتذييل لجملة { إن اللَّه بعباده لخبير بصير }. وفي هذا إيماء إلى أن الله يجازي كل ذي نية على حسب ما أضمره ليزداد النبي صلى الله عليه وسلم يقيناً بأن الله غير عالم بما يكنه المشركون. وجملة { إنه عليم بذات الصدور } مستأنفة هي كالنتيجة لِجملة { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } لأن ما في الصدور من الأمور المغيبة فيلزم من علم الله بغيب السموات والأرض علمه بما في صدور الناس. و «ذات الصدور» ضمائر الناس ونِيَّاتهم، وتقدم عند قوله تعالىإنه عليم بذات الصدور } في سورة الأنفال 43. وجيء في الإِخبار بعلم الله بالغيب بصيغة اسم الفاعل، وفي الإِخبار بعلمه بذات الصدور بصيغة المبالغة لأن المقصود من إخبار المخاطبين تنبيههم على أنه كناية عن انتفاء أن يفوت علمَه تعالى شيءٌ. وذلك كناية عن الجزاء عليه فهي كناية رمزية. وجملة هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } معترضة بين جملة { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } الآية وبين جملة { فمن كفر فعليه كفره }. والخلائف جمع خليفة، وهو الذي يخلف غيره في أمرٍ كانَ لذلك الغير، كما تقدم عند قوله تعالىإني جاعل في الأرض خليفة } في سورة البقرة 30، فيجوز أن يكون بعدَ أمم مضت كما في قولهثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } في سورة يونس 14 فيَكون هذا بياناً لقوله إن الله عالم غيب السماوات والأرض } أي هو الذي أوجدكم في الأرض فكيف لا يعلم ما غاب في قلوبكم كما قال تعالىألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } الملك 14 ويكون مَا صْدَف ضمير جماعة المخاطبين شاملاً للمؤمنين وغيرهم من الناس. ويجوز أن يكون المعنى هو الذي جعلكم متصرفين في الأرض، كقوله تعالىويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } الأعراف 129، فيكون الكلام بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله قدّر أن يَكون المسلمون أهل سلطان في الأرض بعد أمم تداولت سيادة العالم ويُظهر بذلك دين الإِسلام على الدين كله. والجملة الاسمية مفيدة تقوّي الحكم الذي هو جعل الله المخاطبين خلائف في الأرض. وقد تفرّع على قوله { عليم بذات الصدور } قولُه { فمن كفر فعليه كفره } وهو شرط مستعمل كناية عن عدم الاهتمام بأمر دَوامهم على الكفر.

السابقالتالي
2