Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ }

عطف على جملةوهُمْ عن الآخرةِ هم غَافِلون } الروم 7 لأنهم نفوا الحياة الآخرة فسيق إليهم هذا الدليل على أنها من مقتضى الحكمة. فضمير { يتفكروا } عائد إلى الغافلين عن الآخرة وفي مقدمتهم مشركو مكة. والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم. والتقدير هم غافلون وعجيب عدم تفكرهم. ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدَّالة إلى الروم بعد انكسارهم سببين أحدهما اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات، وذلك من أسباب إنكارهم البعث وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب. وثانيهما تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين. والتفكر إعمال الفكر، أي الخاطر العقلي للاستفادة منه، وهو التأمل في الدلالة العقلية. وقد تقدم عند قوله تعالىقُلْ هَلْ يَسْتوي الأعْمَى والبَصِير أفَلا تَتَفَكرون } في سورة الأنعام 50. والأنفس جمع نفْس. والنفس يطلق على الذات كلها، ويطلق على باطن الإنسان، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلامتعْلَم مَا فِي نَفْسِي } المائدة 116 كقول عمر يوم السقيفة «وكُنت زوّقت في نفسي مقالة» أي في عقلي وباطني. وحرف { في } من قوله { فِي أنْفُسهم } يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية الاعتبارية فيكون ظرفاً لمصدر { يَتَفَكَرُّوا } ، أي تفكراً مستقراً في أنفسهم. وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر. وإذ قد كان التفكر إنما يكون في النفس فذكر في أنفسهم لتقوية تصوير التفكر وهو كالصفة الكاشفة لتقرر معنى التفكر عند السامع، كقولهولاَ تخطّهُ بِيَمِينك } العنكبوت 48 وقولهولاَ طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيه } الأنعام 38، وتكون جملة { مَا خَلَقَ الله السَّمَاوات والأرْض } الخ على هذا مُبينة لجملة { يَتَفَكَرُّوا } إذ مدلولها هو ما يتفكرون فيه كقوله تعالىأو لمْ يَتَفَكَّروا ما بِصَاحبهم من جنة } الأعراف 184. ويجوز أن يكون { في } للظرفية المجازية متعلقة بفعل { يَتَفكروا } تعلق المفعول بالفعل، أي يتدبروا ويتأملوا في أنفسهم. والمراد بالأنفس الذوات فهو في معنى قوله تعالىوفي أنْفُسكم أفَلا تُبْصِرون } الذاريات 21 فإن حق النظر المؤدّي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان قال تعالىأفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون } المؤمنون 115 وهذا كقوله تعالىأو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } الأعراف 185 أي في دلالة ملكوت السماوات والأرض، وتكون جملة { مَا خَلَق الله السماوَات والأرْض } الخ على هذا التفسير بدل اشتمال من قوله { أنْفُسهم } إذ الكلام على حذف مضاف، تقديره في دلالة أنفسهم، فإن دلالة { أنفُسهم } تشتمل على دلالة خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق لأن { أنفُسهم } مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في الأرض، وكذلك يطلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم. وعلى الاحتمالين وقع تعليق فعل { يَتَفَكَّروا } عن العمل في مفعولين لوجود النفي بعده.

السابقالتالي
2 3