Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

أُتبع ضرب المثل لإمكان إعادة الخلق عَقِبَ دليل بدئه بضربِ مثل لإبطال الشرك عقب دليليه المتقدمين في قوله تعالىيُخرج الحي من الميت } الروم 19 وقولهويحيي الأرض بعد موتها } الروم 19 لينتظم الدليل على هذين الأصلين المهمين أصل الوحدانية، وأصل البعث، وينكشف بالتمثيل والتقريب بعد نهوضه بدليل العقل. والخطاب للمشركين. وضرب المثل إيقاعه ووضعه، وعليه فانتصاب { مثلاً } على المفعول به، أو يراد بضربه جعله ضرباً، أي مِثْلاً ونظيراً، وعليه فانتصاب { مثلاً } على المفعولية المطلقة لأن { مَثَلاً } حينئذ يرادف ضرباً مصدر ضربَ بهذا المعنى. وقد تقدم عند قوله تعالىإن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما } في سورة البقرة 26. واللام في { لكم } لام التعليل، أي ضرب مثلاً لأجلكم، أي لأجل إفهامكم. و { مِن } في قوله { مِن أنفسكم } ابتدائية متعلقة بــــ { ضرَب } أي جعل لكم مثلاً منتزعاً من أنفسكم. والأنفس هنا جنس الناس كقولهفسلِّموا على أنفسكم } النور 61 أي مثَلاً من أحوال جماعتكم إذ لا تخلو الجماعة عن ناس لهم عبيد وهم يعرفون أحوال العبيد مع سادتهم سواء منهم من يملك عبيداً ومن لا عبيد له. فالخطاب لجميع الأمة باعتبار وجود فريق فيهم ينطبق عليهم هذا المثَل. والاستفهام مستعمل في الإنكار ومناط الإنكار قوله { فيما رزقناكم } إلى آخره، أي من شركاء لهم هذا الشأن. و { مِن } في قوله { من ما ملكت أيمانكم } تبعيضية، و { مِن } في قوله { مِن شركاء } زائدة مؤكدة لمعنى النفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري. فالجمع بين هذه الحروف في كلام واحد من قبيل الجناس التام. والشركاء جمع شريك، وهو المشارك في المال لقوله { فيما رزقناكم، } والفاء للتفريع على الشركة، أي فتكونوا متساوين فيما أنتم فيه شركاء. وجملة { تخافونهم } في موضع الحال من ضمير الفاعل في { سواء. } والخوف انفعال نفساني ينشأ من توقع إصابة مكروه يبقى، وهو هنا التوقي من التفريط في حظوظهم من الأرزاق وليس هو الرعب بقرينة قوله { كخيفتكم أنفسكم، } أي كما تتوقون أنفسكم من إضاعة حقوقكم عندهم. والأنفس الثاني بمعنى أنفس الذين لهم شركاء مما ملكت أيمانهم من المخاطبين لأنهم بعض المخاطبين. وهذا المثل تشبيه هيئة مركبة بهيئة مركبة شبهت الهيئة المنتزعة من زعم المشركين أن الأصنام شركاء لله في التصرف ودافعون عن أوليائهم ما يريده الله من تسلط عقاب أو نحوه إذ زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله وهم مع ذلك يعترفون بأنها مخلوقة لله فإنهم يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك. هذه الهيئة شبهت بهيئة ناس لهم عبيد صاروا شركاء في أرزاق سادتهم شركة على السواء فصار سادتهم يحذرون إذا أرادوا أن يتصرفوا في تلك الأرزاق أن يكون تصرفهم غير مرضي لعبيدهم، وهذا التشبيه وإن كان منصرفاً لمجموع المركب من الهيئتين قد بلغ غاية كمال نظائره إذ هو قابل للتفريق في أجزاء ذلك المركب بتشبيه مالك الخلق كلهم بالذين يملكون عبيداً، وتشبيه الأصنام التي هي مخلوقة لله تعالى بمماليك الناس، وتشبيه تشريك الأصنام في التصرف مع الخالق في ملكه بتشريك العبيد في التصرف في أرزاق سادتهم، وتشبيه زعمهم عدول الله عن بعض ما يريده في الخلق لأجل تلك الأصنام، وشفاعتها بحذر أصحاب الأرزاق من التصرف في حظوظ عبيدهم الشركاء تصرفاً يأبَوْنه.

السابقالتالي
2