Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ } * { وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

جملة { ويعلّمه } معطوفة على جملةويكلّم الناس في المهد } آل عمران 46 بعد انتهاء الاعتراض. وقرأ نافع، وعاصم ويُعلّمه - بالتحتِية - أي يعلّمه اللَّهُ. وقرأه الباقون بنُون العظمة، على الالتفات. والكتاب مراد به الكتاب المعهود. وعطفُ التوراة تمهيد لعطف الإنجيل - ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة - وتقدم الكلام على التوراة والإنجيل في أول السورة. { ورسولاً } عطف على جملة يُعلّمه لأنّ جملة الحال، لكونها ذات محل من الإعراب، هي في قوة المفرد فنصب رسولاً على الحال، وصاحب الحال هو قوله بكلمة، فهو من بقية كلام الملائكة. وفتح همزة أنّ في قوله { أنى قد جئتكم } لتقدير باء الجر بعد رسولاً، أي رسولاً بهذا المقال لما تضمنه وصف رسولاً من كونه مبْعوثاً بكلام، فهذا مبدأ كلام بعد انتهاء كلام الملائكة. ومعنى { جئتكم } أُرسلت إليكم من جانب الله ونظيرة قوله تعالىولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة } الزخرف 63. وقوله { بآية } حال من ضمير { جئتكم } لأنّ المقصود الإخبار بأنه رسول لا بأنه جاء بآية. شبه أمر الله إياه بأن يبلّغ رسالة بمجيء المرسَل من قوم إلى آخرين ولذلك سميّ النبي رسولاً. والباء في قوله { بآية } للملابسة أى مقارناً للآيات الدالة على صدقي في هذه الرسالة المعبّر عنها بفعل المجيء. والمجرور متعلق بجئتكم على أنه ظرف لغو، ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من { جئتكم } لأن معنى جئتكم أرسلت إليكم، فلا يحتاج إلى ما يتعلق به. وقوله { إني أخلق } بكسر الهمزة استئناف لبيان آية وهي قراءة نافع، وأبي جعفر. وقرأه الباقون بفتح همزة أنّي } على أنه بدل من { أني قد جئتكم }. والخلق حقيقته تقدير شيء بقدْر، ومنه خلق الأديم تقديره بحسب ما يراد من قِطعَه قبل قطع القطعة منه قال زهير ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَعْض القَوْم يَخْلُق ثُم لا يَفْرِي يريد تقدير الأديم قبل قطعه والقطع هو الفري، ويُستعمل مجازاً مشهوراً أو مشتركاً في الإنشاء، والإبداع على غير مثال ولا احتذاءٍ، وفي الإنشاء على مثال يُبْدَع ويقدّر، قال تعالىولقد خلقناكم ثم صَوّرناكم } الأعراف 11 فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود والخلق هنا مستعمل في حقيقته أيْ أقدّر لكم من الطين كهيئة الطير، وليس المراد به خلق الحيوان، بدليل قوله فأنفُخ فيه. وتقدم الكلام على لفظ الطّيْر في قوله تعالىفخذ أربعة من الطير } في سورة البقرة 360. والكاف في قوله { كهيئة الطير } بمعنى مثل، وهي صفة لِموصوف محذوف دل عليه أخلُق، أي شيئاً مقدّراً مثلَ هيئة الطير. وقرأ الجمهور «الطَّير» وهو اسم يقع على الجمع غالباً وقد يقع على الواحد. وقرأه أبو جعفر «الطائر». والضمير المجرور بفي من قوله { فأنفخ فيه } عائد إلى ذلك الموصوف المحذوف الذي دلت عليه الكاف.

السابقالتالي
2 3