Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ }

{ أم } هنا منقطعة، هي بمعنى بل الانتقالية، لأنّ هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأنّ ما بعدها استفهام، لملازمتها للاستفهام، حتَّى قال الزمخشري والمحقّقون إنَّها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها، وقال غيره ذلك هو الغالب وقد تفارقه، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التَّأويل. فقوله { أم حسبتم } عطف على جملةولا تهنوا } آل عمران 139 وذلك أنَّهم لمّا مسّهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النَّصر الَّذي شاهدوه يوم بدر، بيّن الله أنّ لا وجه للوهن للعلل الَّتي تقدّمت، ثُمّ بيّن لهم هنا أن دخول الجنَّة الَّذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدّين فإذا حسبوا دخول الجنَّة يحصل دون ذلك، فقد أخطأوا. والاستفهام المقدّر بعد أم مستعمل في التَّغليط والنَّهي، ولذلك جاء بـأم للدلالة على التغليط أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة دون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد. ومن المفسّرين من قدّر لِـأمْ هنا معادِلاً محذوفاً، وجعلها متَّصلة، فنقل الفخر عن أبي مسلم الأصفهاني أنَّه قال عادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً لأنَّه لمّا قالولا تهنوا ولا تحزنوا } آل عمران 139 كأنَّه قال أفتعلمون أنّ ذلك كما تؤمرون أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة. وجملة { ولما يعلم الله } إلخ في موضع الحال، وهي مصبّ الإنكار، أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة حين لا يعلم الله الَّذين جاهدوا. و لَمَّا حرف نفي أختُ لم إلاّ أنَّها أشدّ نفياً من لم، لأنّ لم لِنفي قول القائل فَعَل فلان، و لمّا لنفي قوله قد فعل فلان. قاله سيبويه، كما قال إنّ لا لنفي يفعل ولن لنفي سيفعل وما لنفي لقد فعل ولا لنفي هو يفعل. فتدلّ لَمَّا على اتِّصال النَّفي بها إلى زمن التكلّم، بخلاف لم، ومن هذه الدلالة استفيدت دلالة أخرى وهي أنّها تؤذن بأنّ المنفي بها مترقّب الثبوت فيما يستقبل، لأنَّها قائمة مقام قولك استمرّ النَّفي إلى الآن، وإلى هذا ذهب الزمخشري هنا فقال و لمّا بمعنى لم إلاّ أنّ فيها ضرباً من التوقُّع وقال في قوله تعالىولما يدخل الإيمان في قلوبكم } سورة الحجرَات14 فيه دلالة على أنّ الأَعراب آمنوا فيما بعد. والقول في علم الله تقدّم آنفاً في الآية قبل هذه. وأريد بحالة نفي علم الله بالَّذين جاهدوا والصَّابرين الكناية عن حالة نفي الجهاد والصّبر عنهم، لأنّ الله إذا علم شيئاً فذلك المعلوم محقّق الوقوع فكما كنّى بعلم الله عن التّحقق في قولهوليعلم الله الذين آمنوا } آل عمران 140 كنّى بنفي العلم عن نفي الوقوع. وشرط الكناية هنا متوفّر وهو جواز إرادة المعنى الملزوم مع المعنى اللازم لِجواز إرادة انتفاء علم الله بجهادهم مع إرادة انتفاء جهادهم.

السابقالتالي
2