Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } * { تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ } * { فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ } * { وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } * { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

يجوز أن يكون هذا من حكاية كلام إبراهيم عليه السلام أطنب به الموعظة لتصوير هول ذلك اليوم فتكون الجملة حالاً، أو تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً كما سيأتي. ويجوز أن يكون حكاية كلام إبراهيم انتهت عند قولهوجنود إبليس أجمعون } الشعراء 95 أو عند قوله تعالىيوم يبعثون } الشعراء 87 على ما استظهر ابن عطية. ويكون هذا الكلام موعظة من الله للسامعين من المشركين وتعليماً منه للمؤمنين فتكون الجملة استئنافاً معترضاً بين ذكر القصة والتي بعدها وهو استئناف بياني ناشىء عن قولهفكبكبوا فيها } الشعراء 94 لأن السامع بحيث يسأل عن فائدة إيقاع الأصنام في النار مع أنها لا تفقه ولا تُحِسّ فبيّن له ذلك، فحكاية مخاصمة عبدتها بينهم لأن رؤيتهم أصنامهم هو مثار الخصومة بينهم إذ رأى الأتباعُ كذب مضلّليهم معاينة ولا يجد المضلّلون تنصّلاً ولا تفصّياً، فإن مذلة الأصنام وحضورها معهم وهم في ذلك العذاب أقوى شاهد على أنها لا تملك شيئاً لهم ولا لأنفسها. وأما جملة { وهم فيها يختصمون } فهي في موضع الحال، وجملة { تالله } مقول القول، وجملة { إن كنا لفي ضلال مبين } جواب القسم. و { إنْ } مخففة من إنَّ الثقيلة وقد أهملت عن العمل بسبب التخفيف فإنه مُجوز للإهمال. والجملة بعدها سادّة مسد اسمها وخبرها. واقتران خبر كان باللام في الجملة التي بعدها للفرق بين { إنْ } المخففة المؤكدة وبين إنْ النافية، والغالب أن لا تخلو الجملة التي بعد { إنْ } المخففة عن فعل من باب كان. وجيء في القسم بالتاء دون الواو والباء لأن التاء تختص بالقسم في شيء متعجب منه كما تقدم في قوله تعالىقالوا تالله لقد علمتم ما جئنَا لنُفسد في الأرض } في سورة يوسف 73، وقولهوتالله لأكيدَنّ أصنامكم } في سورة الأنبياء 57، فهم يعجبون من ضلالهم إذ ناطوا آمالهم المعونة والنصر بحجارة لا تغني عنهم شيئاً. ولذلك أفادوا تمكن الضلال منهم باجتلاب حرف الظرفية المستعار لمعنى الملابسة لأن المظروف شديد الملابسة لظرفه، وأكدوا ذلك بوصفهم الضلالَ بالمبين، أي الواضح البيّن. وفي هذا تسفيه منهم لأنفسهم إذ تمشّى عليها هذا الضلال الذي ما كان له أن يروج على ذي مُسكة من عقل. و { إذ نسويكم } ظرف متعلق بــــ { كنّا } أي كنا في ضلال في وقت إنا نسوّيكم برب العالمين. وليست { إذ } بموضوعة للتعليل كما توهمه الشيخ أحمد بن عَلوان التونسي الشهير بالمِصري فيما حكاه عنه المقري في «نفح الطيب» في ترجمة أبي جعفر اللَّبْلي في الباب الخامس من القسم الأول، وإنما غشي عليه حاصل المعنى المجازي فتوهمه معنى من معاني { إذ } ومنه قول النابغة
فعدِّ عما ترى إذْ لا ارتجاع له   
أي حين لا ارتجاع له. والتسوية المعادَلة والمماثلة، أي إذ نجعلكم مثل ربّ العالمين، فالظاهر أنهم جعلوهم مثله مع الاعتراف بالإلهية وهو ظاهر حال إشراكهم كما تقدم في قوله

السابقالتالي
2 3