Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } * { أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } * { كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً } * { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً }

تفريع على قولهويقول الإنسان أإذا ما متّ لسوفَ أخرج حياً } مريم 66 وما اتصل به من الاعتراض والتفريعات. والمناسبة أن قائل هذا الكلام كان في غرور مثل الغرور الذي كان فيه أصحابه. وهو غرور إحالة البعث.والآية تشير إلى قصة خبّاب بن الأرتّ مع العاصي بن وائل السهمي. ففي «الصحيح» أن خبّاباً كان يصنع السيوف في مكة، فعمل للعاصي بن وائل سَيفاً وكان ثمنه دَيناً على العاصي، وكان خبّاب قد أسلم، فجاء خبّاب يتقاضى دَينه من العاصي فقال له العاصي بن وائل لا أقضيكه حتى تكفر بمحمّد، فقال خبّاب وقد غضب لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثمّ يبعثك. قال العاصي أو مبعوثٌ أنا بعد الموت؟ قال نعم. قال العاصي متهكماً إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دَينَك». فنزلت هذه الآية في ذلك. فالعاصي بن وائل هو المراد بالذي كفر بآياتنا.والاستفهام في { أفرأيت } مستعمل في التعجيب من كفر هذا الكافر.والرؤية مستعارة للعلم بقصته العجيبة. نُزلت القصة منزلة الشيء المشاهد بالبصر لأنه من أقوى طرق العلم. وعبر عنه بالموصول لما في الصلة من منشأ العجب ولا سيما قوله { لأُوتين مالاً وولداً }.والمقصود من الاستفهام لفت الذهن إلى معرفة هذه القصة أو إلى تذكرها إن كان عالماً بها.والخطاب لكل من يصلح للخطاب فلم يُرد به معيّن. ويجوز أن يكون خطاباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -والآيات القرآن، أي كفر بما أنزل إليه من الآيات وكذب بها. ومن جملتها آيات البعث.والوَلَد اسم جَمْع لوَلَد المفرد، وكذلك قرأه الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي ــــ في هذه السورة في الألفاظ الأربعة ــــ «ووُلْد» ــــ بضمّ الواو وسكون اللام ــــ فهو جمع ولد، كأسد وأسد.وجملة { أطلّع الغيب } جواب لكلامه على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل كلامه على ظاهر عبارته من الوعد بقضاء الدّين من المال الذي سيجده حين يبعث، فالاستفهام في قوله { أطلع الغيب } إنكاري وتعجيبي.و { أطّلع } افتعل من طلع للمبالغة في حصول فعل الطلوع وهو الارتقاء، ولذلك يقال لمكان الطلوع مطْلَع بالتخفيف ومُطّلع بالتشديد. ومن أجل هذا أطلق الاطلاع على الإشراف على الشيء، لأنّ الذي يروم الإشراف على مكان محجوب عنه يرتقي إليه من عُلّو، فالأصل أن فعل اطّلع قاصر غير محتاج إلى التعدية، قال تعالىقال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم } الصافات 54، 55، فإذا ضُمن { اطّلع } معنى أشرَف عُدي بحرف الاستعلاء كقوله تعالىلو اطَلعتَ عليهم لولّيتَ منهم فراراً } وتقدّم إجمالاً في سورة الكهف 18.فانتصب { الغيب } في هذه الآية على المفعولية لا على نزع الخافض كما توهمه بعض المفسرين. قال في «الكشاف» «ولاختيار هذه الكلمة شأنٌ، يقول أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب» اهــــ.

السابقالتالي
2 3