Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } * { فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً }

فائدة قوله { وَهُزِي إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } أن يكون إثمار الجذع اليابس رُطباً ببركة تحريكها إياه، وتلك كرامة أخرى لها. ولتشاهد بعينها كيف يُثمر الجذع اليابس رطباً. وفي ذلك كرامة لها بقوّة يقينها بمرتبتها.والباء في { بِجِذْعِ النَّخْلَةِ } لتوكيد لصوق الفعل بمفعوله مثلوامسحوا برؤوسكم } المائدة6 وقولهولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } البقرة195.وضمن { وَهُزّي } معنى قَرّبي أو أدني، فعُدي بــــإلى، أي حرّكي جذع النخلة وقرّبيه يَدْنُ إليك ويَلِنْ بعد اليبس ويُسقط عليك رطباً.والمعنى أدني إلى نفسك جِذع النخلة. فكان فاعل الفعل ومتعلقه متحداً، وكلاهما ضميرُ معادٍ واحد، ولا ضير في ذلك لصحة المعنى وورود أمثاله في الاستعمال نحوواضمم إليك جناحك } القصص32. فالضامّ والمضموم إليه واحد. وإنما منَع النحاة أن يكون الفاعل والمفعول ضميري معاد واحد إلاّ في أفعال القلوب، وفي فعلي عَدِم وفَقَد، لعدم سماع ذلك، لا لفساد المعنى، فلا يقاس على ذلك منع غيره.والرطب تمر لم يتم جفافه.والجَنيّ فعيل بمعنى مفعول، أي مجتنى، وهو كناية عن حَدثان سقوطه، أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعماً.و { تَسَّاقط } قرأه الجمهور ــــ بفتح التاء وتشديد السين ــــ أصله تتساقط بتاءين أدغمت التاء الثانية في السين ليتأتى التخفيف بالإدغام.وقرأه حمزة ــــ بتخفيف السين ــــ على حذف إحدى التاءين للتخفيف. و { رُطَبَاً } على هاته القراءات تمييز لنسبة التساقط إلى النخلة.وقرأه حفص ــــ بضم التاء وكسر السين ــــ على أنه مضارع سَاقَطَت النخلة تمرَها، مبالغة في أسقطت و { رُطَباً } مفعول به.وقرأه يعقوب بياء تحتية مفتوحة وفتح القاف وتشديد السين فيكون الضمير المستتر عائداً إلى { جِذْع النَّخْلةِ }.وجملة { فَكُلِي } وما بعدها فذلكة للجمل التي قبلها من قوله { قد جعل ربك تحتك سرياً، } أي فأنت في بحبوحة عيش.وقرّة العين كناية عن السرور بطريق المضادة، لقولهم سَخِنت عينه إذا كثر بكاؤه، فالكناية بضد ذلك عن السرور كناية بأربع مراتب. وتقدم في قوله تعالىوقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك } القصص9. وقرّة العين تشمل هناء العيش وتشمل الأنس بالطفل المولود. وفي كونه قرّة عين كناية عن ضمان سلامته ونباهة شأنه.وفتح القاف في { وقَرّي عيناً } لأنه مضارع قررت عينه من باب رضي، أدغم فنقلت حركة عين الكلمة إلى فائها في المضارع لأن الفاء ساكنة. { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِىۤ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً }.هذا من بقية ما ناداها به عيسى، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل، تلقيناً من الله لمريم وإرشاداً لقطع المراجعة مع من يريدُ مجادلتها، فعلّمها أن تنذر صوماً يقارنه انقطاع عن الكلام، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة.

السابقالتالي
2 3 4