الرئيسية - التفاسير


* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ } * { قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } * { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } * { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } * { فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } * { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ }

الواو في { أولم ننهك } عطف على كلام لوط ــــ عليه السلام ــــ جار على طريقة العطف على كلام الغير كقوله تعالى { قال ومن ذريتي } بعد قوله تعالىقال إني جاعلك للناس إماماً } في سورة البقرة 124. والاستفهام إنكاري، والمعطوف هو الإنكار. و { العالمين } الناس. وتعدية النّهي إلى ذات العالمين على تقدير مضاف دلّ عليه المقام، أي ألم ننهك عن حماية الناس أو عن إجارتهم، أي أن عليك أن تخلي بيننا وبين عادتنا حتى لا يطمع المارون في حمايتك، وقد كانوا يقطعون السبيل يتعرضون للمارين على قُراهم. و { العالمين } تقدم في الفاتحة. وأرادوا به هنا أصناف القبائل لقصد التعميم. وعرض عليهم بناته ظناً أن ذلك يردعهم ويطفىء شبقهم. ولذلك قال { إن كنتم فاعلين }. وقد تقدم في سورة هود معنى عرضه بناته، وأن قوله { بناتي } يجوز أن يراد به بنات صلبه وكنّ اثنتين أو ثلاثاً، ويجوز أن يراد به بنات القوم كلهم تنزيلاً لهم منزلة بناته لأن النبي كأب لأمّته. وجملة { لعمرك إنهم لفي سكراتهم يعمهون } معترضة بين أجزاء القصة للعبرة في عدم جدوى الموعظة فيمن يكون في سكرة هواه. والمخاطب بها محمد صلى الله عليه وسلم من قبل الله تعالى. وقيل هو من كلام الملائكة بتقدير قول. وكلمة { لعمرك } صيغة قسم. واللام الداخلة على لفظ عمر لام القسم. والعَمْر ــــ بفتح العين وسكون اللام ــــ أصله لغة في العُمر بضم العين، فخص المفتوح بصيغة القسم لخفّته بالفتح لأن القسم كثير الدوران في الكلام. فهو قسم بحياة المخاطب به. وهو في الاستعمال إذا دخلت عليه لام القسم رفعوه على الابتداء محذوف الخبر وجوباً. والتقدير لعمرك قَسمي. وهو من المواضع التي يحذف فيها الخبر حذفاً لازماً في استعمال العرب اكتفاء بدلالة اللاّم على معنى القسم. وقد يستعملونه بغير اللاّم فحينئذٍ يقرنونه باسم الجلالة وينصبونهما، كقول عُمر بن أبي ربيعة
عَمرَك اللّهَ كيفَ يلتقيان   
فنصَب عمرَ بنزع الخافض وهو ياء القسم ونَصب اسم الجلالة على أنه مفعولُ المصدر، أي بتعميرك الله بمعنى بتعظيمك الله، أي قولك للّهِ لعمرك تعظيماً لله لأن القسم باسم أحد تعظيم له، فاستعمل لفظ القسم كناية عن التعظيم، كما استعمل لفظ التحية كناية عن التعظيم في كلمات التشهد «التّحِيّات لله» أي أقسم عليك بتعظيمك ربّك. هذا ما يظهر لي في توجيه النصب، وقد خالفت فيه أقوالَ أهل اللّغة بعضَ مخالفة لأدفع ما عرض لهم من إشكال. والسكرة ذهاب العقل. مشتقّة من السَكْر ــــ بفتح السين ــــ وهو السدّ والغلق. وأطلقت هنا على الضلال تشبيهاً لغلبة دواعي الهوى على دواعي الرشاد بذهاب العقل وغشيته. و { يعمهون } يتحيّرون ولا يهتدون. وقد تقدم عند قوله تعالى

السابقالتالي
2