Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } * { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } * { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } * { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ }

الصراط المستقيم هو الخبر والرشاد. فالإشارة إلى ما يؤخذ من الجملة الواقعة بعد اسم الإشارة المبيّنة للإخبار عن اسم الإشارة وهي جملة { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، فتكون الإشارة إلى غير مشاهَد تنزيلاً له منزلة المشاهد، وتنزيلاً للمسموع منزلة المرئي. ثم إن هذا المنزل منزلة المشاهد هو مع ذلك غير مذكور لقصد التشويق إلى سماعه عند ذكره. فاسم الإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن، كما يكتب في العهود والعقود هذا ما قاضى عليه فلان فلاناً أنه كيَت وكيت، أو هذا ما اشترى فلان من فلان أنه باعه كذا وكذا. ويجوز أن تكون الإشارة إلى الاستثناء الذي سبق في حكاية كلام إبليس من قولهإلا عبادك منهم المخلصين } سورة الحجر 40 لتضمنه أنه لا يستطيع غواية العباد الذين أخلصهم الله للخير، فتكون جملة { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } مستأنفة أفادت نفي سلطانه. والصراط مستعار للعمل الذي يقصِد منه عاملُه فائدةً. شُبه بالطريق الموصل إلى المكان المطلوب وصوله إليه، أي هذا هو السُنّة التي وضعتُها في الناس وفي غوايتك إياهم وهي أنّك لا تغوي إلا من اتّبعك من الغاوين، أو أنك تغوي من عدا عبادي المخلصين. و { مستقيم } نعت لــــ { صراط } ، أي لا اعوجاج فيه. واستعيرت الاستقامة لملازمة الحالة الكاملة. و { على } مستعملة في الوجوب المجازي، وهو الفعل الدائم التي لا يتخلّف كقوله تعالىإن علينا للهدى } سورة الليل 12، أي أنّا التزمنا الهدى لا نحيد عنه لأنه مقتضى الحكمة وعظمة الإلهية. وهذه الجملة مما يُرسل من الأمثال القرآنية. وقرأ الجمهور { على } بفتح اللام وفتح الياء ــــ على أنها على اتصلت بها ياء المتكلم. وقرأه يعقوب ــــ بكسر اللام وضم الياء وتنوينها ــــ على أنه وصف من العلوّ وصف به صراط، أي صراط شريف عظيم القدر. والمعنى أن الله وضع سنّة في نفوس البشر أن الشيطان لا يتسلّط إلا على من كان غاوياً، أي مائلاً للغواية مكتسباً لها دون مَن كبحَ نفسه عن الشر. فإن العاقل إذا تعلق به وسواس الشيطان عَلم ما فيه من إضلال وعلم أن الهدى في خلافه فإذا توفّق وحمل نفسه على اختيار الهُدى وصرف إليه عزمه قوي على الشيطان فلم يكن له عليه سلطان، وإذا مَال إلى الضلال واستحسنه واختار إرضاء شهوته صار متهيئاً إلى الغواية فأغواه الشيطان فغوَى. فالاتباع مجاز بمعنى الطاعة واستحسان الرأي كقولهفاتبعوني يحببكم الله } سورة آل عمران 31. وإطلاق { الغاوين } من باب إطلاق اسم الفاعل على الحصول في المستقبل بالقرينة لأنه لو كان غاوياً بالفعل لم يكن لسلطان الشيطان عليه فائدة. وقد دلّ على هذا المعنى تعلّق نفي السلطان بجميع العباد، ثم استثناء من كان غاوياً.

السابقالتالي
2