Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }

جملة { ويستعجلونك } عطفٌ على جملةوإن تعجب } الرعد 5، لأن كلتا الجملتين حكاية لغريب أحوالهم في المكابرة والعناد والاستخفاف بالوعيد. فابتدأ بذكر تكذيبهم بوعيد الآخرة لإنكارهم البعث، ثم عطف عليه تكذيبهم بوعيد الدنيا لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الاستخفاف بوعيد نزول العذاب وعَدّهم إياه مستحيلاً في حال أنهم شاهدوا آثار العذاب النازل بالأمم قبلهم، وما ذلك إلا لذهولهم عن قدرة الله تعالى التي سيق الكلام للاستدلال عليها والتفريع عنها، فهم يستعجلون بنزوله بهم استخفافاً واستهزاء كقولهمفأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } الأنفال 32، وقولهمأو تُسقِطَ السماءَ كما زعمتَ علينا كِسَفا } الإسراء 92. والباء في { بالسيئة } لتعدية الفعل إلى ما لم يكن يتعدى إليه. وتقدم عند قوله تعالىما عندي ما تستعجلون به } في سورة الأنعام 57. والسيئة الحالة السيئة. وهي هنا المصيبة التي تسوء من تحل به. والحسنة ضدها، أي أنهم سألوا من الآيات ما فيه عذاب بسوء، كقولهمإن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطِر علينا حجارةً من السماء } الأنفال 32 دون أن يسألوا آية من الحسنات. فهذه الآية نزلت حكاية لبعض أحوال سؤالهم الظّانين أنه تعجيز، والدالين به على التهكم بالعذاب. وقبْليّة السيئة قبلية اعتبارية، أي مختارين السيئة دون الحسنة. وسيأتي تحقيقه عند قوله تعالىقال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } في سورة النمل 46 فانظره. وجملة { وقد خلت من قبلهم المثلات } في موضع الحال. وهو محل زيادة التعجيب لأن ذلك قد يعذرون فيه لو كانوا لم يروا آثار الأمم المعذبة مثل عاد وثمود. والمَثُلات ــــ بفتح الميم وضم المثلثة ــــ جمع مَثُلة ــــ بفتح الميم وضم الثاء ــــ كسَمُرة، ــــ وبضم الميم وسكون الثاء ــــ كعُرْفة وهي العقوبة الشديدة التي تكون مثالاً تُمثل به العقوبات. وجملة { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } عطف على جملة { وقد خلت من قبلهم المثلات }. وهذا كشف لغرورهم بتأخير العذاب عنهم لأنهم لمّا استهزأوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعرضوا لسؤال حلول العذاب بهم ورأوا أنه لم يعجل لهم حلوله اعترتهم ضراوة بالتكذيب وحسبوا تأخير العذاب عَجْزاً من المتوعد وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم يجهلون أن الله حليم يُمهل عباده لعلهم يرجعون، فالمغفرة هنا مستعملة في المغفرة الموقتة، وهي التجاوز عن ضراوة تكذيبهم وتأخير العذاب إلى أجل، كما قال تعالىولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } سورة هود 8. وقرينة ذلك أن الكلام جار على عذاب الدنيا وهو الذي يقبل التأخير كما قال تعالىإنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون }

السابقالتالي
2