Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ } * { ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ } * { ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }

عبر الرؤيا بجميع ما دلّت عليه، فالبقرات لسنين الزراعة، لأن البقرة تتخذ للإثمار. والسِمَن رمز للخصب. والعجَف رمز للقحط. والسنبلات رمز للأقوات فالسنبلات الخضر رمز لطعام ينتفع به، وكونها سبعاً رمز للانتفاع به في السبع السنين، فكل سنبلة رمز لطعام سنة، فذلك يقتاتونه في تلك السنين جديداً. والسنبلات اليابسات رمز لما يدخر، وكونُها سبعاً رمز لادخارها في سبع سنين لأن البقرات العجاف أكلت البقرات السمان، وتأويل ذلك أن سني الجدب أتت على ما أثمرته سنو الخصب. وقوله { تزرعون } خبر عما يكون من عملهم، وذلك أن الزرع عادتهم، فذكره إياه تمهيد للكلام الآتي ولذلك قيده بـــ { دأباً }. والدأب العادة والاستمرار عليها. وتقدم في قولهكدأب آل فرعون } في سورة آل عمران 11. وهو منصوب على الحال من ضمير { يزرعون } ، أي كدَأبكم. وقد مزج تعبيره بإرشاد جليل لأحوال التموين والادخار لمصلحة الأمة. وهو منام حكمته كانت رؤيا الملك لطفاً من الله بالأمة التي آوت يوسف ـــ عليه السّلام ـــ، ووحيا أوحاه الله إلى يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بواسطة رؤيا الملك، كما أوحى إلى سليمان ـــ عليه السّلام ـــ بواسطة الطير. ولعل الملك قد استعد للصلاح والإيمان. وكان ما أشار به يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على الملك من الادخار تمهيداً لشرع ادخار الأقوات للتموين، كما كان الوفاء في الكيل والميزان ابتداء دعوة شعيب ـــ عليه السّلام ـــ، وأشار إلى إبقاء ما فضل عن أقواتهم في سنبله ليكون أسلم له من إصابة السوس الذي يصيب الحب إذا تراكم بعضه على بعض فإذا كان في سنبله دفع عنه السوس، وأشار عليهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ما فضل عن ذلك لزمن الشدة، فقال { إلاّ قليلاً مما تأكلون }. والشداد وصف لسني الجدب، لأن الجدب حاصل فيها، فوصفها بالشدة على طريقة المجاز العقلي. وأطلق الأكل في قوله { يأكلن } على الإفناء، كالذي في قولهولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } سورة النساء 2. وإسناده بهذا الإطلاق إلى السنين إسنادُ مجاز عقلي، لأنهن زمن وقوع الفناء. والإحصان الإحراز والادخار، أي الوضع في الحصن وهو المطمور. والمعنى أن تلك السنين المجدبة يفنى فيها ما ادخر لها إلا قليلاً منه يبقى في الإهراء. وهذا تحريض على استكثار الادخار. وأما قوله { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس } فهو بشارة وإدخال المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة، ومن سنن الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر. و { يغاث } معناه يعطون الغيث، وهو المطر. والعصر عصر الأعناب خموراً. وتقدم آنفاً في قولهأعصر خمراً } سورة يوسف 36.