Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } * { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } * { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ }

جملة { يوم يَأتي لا تكلّم نَفْسٌ } تفصيل لمدلول جملةذلك يوم مجموع له النّاس } هود 103 الآية، وبينت عظمة ذلك اليوم في الشرّ والخير تبعاً لذلك التفصيل. فالقصد الأوّل من هذه الجملة هو قوله { فمنهم شقيّ وسعيد } وما بعده، وأمّا ما قبله فتمهيد له أفصح عن عظمة ذلك اليوم. وقد جاء نظم الكلام على تقديم وتأخير اقتضاه وضع الاستطراد بتعظيم هول اليوم في موضع الكلام المتّصل لأنّه أسعد بتناسب أغراض الكلام، والظروف صالحة لاتّصال الكلام كصلاحيّة الحروف العاطفة وأدوات الشرط. و { يوم } من قوله { يوم يأتي } مستعمل في معنى حين أو ساعة، وهو استعمال شائع في الكلام العربيّ في لفظ يوم وليلة توسّعاً بإطلاقهما على جزء من زمانهما إذ لا يخلو الزّمان من أن يقع في نهار أو في ليل فذلك يوم أو ليلة فإذا أطلقا هذا الإطلاق لم يستفد منهما إلاّ معنى حين دون تقدير بمدّة ولا بنهار وَلاَ لَيْلٍ، ألاَ ترى قول النابغة
تخيّرن من أنهار يوم حليمة   
فأضاف أنهار جمع نهار إلى اليوم. وروي من أزمان يوم حليمة. وقول توبة بن الحُميّر
كأن القلب ليلة قيل يُغدَى بليلى الأخيلية أو يراح   
أراد ساعة، قيل يُغدى بليلى، ولذلك قال يغدى أو يراح، فلم يراقب ما يناسب لفظ ليلة من الرّواح. فقوله تعالى { يوم يأتي } معناه حين يأتي. وضمير يأتي عائد إلىيوم مشهود } هود 103 وهو يوم القيامة. والمراد بإتيانه وقوعه وحلوله كقولههل ينظرون إلاّ الساعة أن تأتيهم } الزخرف 66. فقوله { يوم يأتي } ظرف مُتَعلّق بقوله { لا تكلّم نفس إلاّ بإذنه }. وجملة { لا تكلم نفس } مستأنفة ابتدائية. قدّم الظرف على فعلها للغرض المتقدم. والتّقدير لا تكلّم نفس حينَ يحلّ اليوم المشهود. والضّمير في { بإذنه } عائد إلى الله تعالى المفهوم من المقام ومن ضميرنؤخّره } هود 104. والمعنى أنّه لا يتكلّم أحد إلاّ بإذن من الله، كقولهيوم يقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرّحمٰن وقال صواباً } النبأ 38. والمقصود من هذا إبطال اعتقاد أهل الجاهلية أنّ الأصنام لها حقّ الشفاعة عند الله. و { نفس } يَعمّ جميع النفوس لوقوعه في سياق النفي، فشمل النفوس البرة والفاجرة، وشمل كلام الشافع وكلام المجادل عن نفسه. وفُصّل عموم النفوس باختلاف أحوالها. وهذا التفصيل مفيد تفصيل الناس في قولهمجموع له النّاس } هود 103، ولكنّه جاء على هذا النسج لأجل ما تخلّل ذلك من شبه الاعتراض بقولهوما نؤخّره إلاّ لأجل معدود } هود 104 إلى قوله { بإذنه } وذلك نسيج بديع. والشقيّ فعيل صفة مشبهة من شَقِيَ، إذا تلبّس بالشّقاء والشقاوة، أي سوء الحالة وشرّها وما ينافر طبع المتّصف بها. والسّعيد ضدّ الشقيّ، وهو المتلبّس بالسّعادة التي هي الأحوال الحسنة الخيّرة الملائمة للمتّصف بها.

السابقالتالي
2