Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح المعاني/ الالوسي (ت 1270 هـ) مصنف و مدقق


{ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

{ لَّوْ كَانَ } أي ما دعوا إليه كما يدل عليه ما تقدم { عَرَضًا قَرِيبًا } أي غنماً سهل المأخذ قريب المنال، وأصل العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها. وفي الحديث " الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر " { وَسَفَرًا قَاصِدًا } أي متوسطاً بين القرب والبعد وهو من باب تامر ولابن { لاَّتَّبَعُوكَ } أي لوافقوك في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة، وهذا شروع في تعديد ما صدر عنهم من الهنات قولاً وفعلاً وبيان قصور همهم وما هم عليه من غير ذلك، وقيل: هو تقرير لكونهم متثاقلين مائلين إلى الإقامة بأرضهم، وتعليق الاتباع بكلا الأمرين يدل على عدم تحققه عند توسط السفر فقط / { وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } أي المسافة التي تقطع بمشقة. وقرأ عيسى بن عمر { بعدت } بكسر العين و { الشقة } بكسر الشين، وبعد يبعد كعلم يعلم لغة واختص ببعد الموت غالباً، وجاء لا تبعد للتفجع والتحسر في المصائب كما قال:
لا يبعد الله إخواناً لنا ذهبوا   أفناهم حدثان الدهر والأبد
{ وَسَيَحْلِفُونَ } أي المتهلفون عن الغزو { بِٱللَّهِ } متعلق بسيحلفون، وجوز أن يكون من جمة كلامهم ولا بد من تقدير القول في الوجهين أي سيحلفون عند رجوعك من غزوة تبوك بالله قائلين { لَوِ ٱسْتَطَعْنَا } أو سيحلفون قائلين بالله لو استطعنا الخ، وقيل: لا حاجة إلى تقدير القول لأن الحلف من جنس القول وهو أحد المذهبين المشهورين، والمعنى لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتيهما معاً حسبما عنّ لهم من التعلل والكذب { لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } لما دعوتمونا إليه وهذا جواب القسم وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم وهو اختيار ابن عصفور، واختار ابن مالك أنه جواب { لَوْ } ولو وجوابها جواب القسم، وقيل: إنه ساد مسد جوابـي القسم والشرط جميعاً، والقسم على الاحتمال الأول ظاهر وأما على الثاني فلأن { لَوِ ٱسْتَطَعْنَا } في قوة { بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا } لأنه بيان لسيحلفون بالله وتصديق له كما قيل. واعترض القول الأخير بأنه لم يذهب إليه أحد من أهل العربية. وأجيب بأن مراد القائل أنه لما حذف جواب { لَوْ } دل عليه جواب القسم جعل كأنه ساد مسد الجوابين. وقرأ الحسن والأعمش { لَوِ ٱسْتَطَعْنَا } بضم الواو تشبيهاً لها بواو الجمع كما في قوله تعالى:فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } [الجمعة: 6] وٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ } [البقرة: 16] وقرىء بالفتح أيضاً.

{ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بايقاعها في العذاب، قيل: وهو بدل من { سَيَحْلِفُونَ } واعترض بأن الهلاك ليس مرادفاً للحلف ولا هو نوع منه، ولا يجوز أن يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفاً له أو نوعاً منه. وأجيب بأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

السابقالتالي
2