Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح المعاني/ الالوسي (ت 1270 هـ) مصنف و مدقق


{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

{ قُلْ } توبيخاً لهم وتبكيتاً { أَرَءيْتُمْ } أخبروني وقرىء { أرأيتكم } { مَا تَدَّعُونَ } ما تعبدون { مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأصنام أو جميع المعبودات الباطلة ولعله الأظهر. والموصول مفعول أول ـ لأرأيتم ـ وقوله تعالى: { أَرُونِيَ } تأكيد له فإنه بمعنى أخبروني أيضاً. وقوله تعالى: { مَاذَا خَلَقُواْ } جوز فيه أن تكون { مَا } اسم استفهام مفعولاً مقدماً ـ لخلقوا ـ و { ذَا } زائدة وأن تكون { مَاذَا } اسماً واحداً مفعولاً مقدماً أي أي شيء خلقوا وأن تكون اسم استفهام مبتدأ أو خبراً مقدماً و { ذَا } اسم موصول خبراً أو مبتدأ مؤخراً وجملة { خَلَقُواْ } صلة الموصول أي ما الذي خلقوه، وعلى الأولين جملة { خَلَقُواْ } مفعول ثان ـ لأرأيتم ـ وعلى ما بعدهما جملة { مَاذَا خَلَقُواْ } وجوز أن يكون الكلام من باب الإعمال وقد أعمل الثاني وحذف مفعول الأول واختاره أبو حيان، وقيل: يحتمل أن يكون { أَرُونِيَ } بدل اشتمال من { أَرَأيْتُمْ } وقال ابن عطية: ((يحتمل { أرأيتم } وجهين، كونها متعدية و { مَا } مفعولاً لها، وكونها منبهة لا تتعدى و { مَا } استفهامية على معنى التوبيخ))، وهذا الثاني قاله الأخفش فيأَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } [الكهف: 63].

وقوله تعالى: { منَ ٱلاْرْضِ } تفسير للمبهم في { مَاذَا خَلَقُواْ } قيل: والظاهر أن المراد من أجزاء الأرض وبقعها، وجوز أن يكون المراد ما على وجهها من حيوان وغيره بتقدير مضاف يؤدي ذلك، ويجوز أن يراد بالأرض السفليات مطلقاً ولعله أولى.

{ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ } أي شركة مع الله سبحانه { فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } أي في خلقها، ولعل الأولى فيها أيضاً أن تفسر بالعلويات. و { أَمْ } جوز أن تكون منقطعة وأن تكون متصلة، والمراد نفي استحقاق آلهتهم للمعبودية على أتم وجه، فقد نفى أولاً: مدخليتها في خلق شيء من أجزاء العالم السفلي حقيقة واستقلالاً، وثانياً: مدخليتها على سبيل الشركة في خلق شيء من أجزاء العالم العلوي، ومن المعلوم أن نفي ذلك يستلزم نفي استحقاق المعبودية. وتخصيص الشركة في النظم الجليل بقوله سبحانه: { فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } مع أنه لا شركة فيها وفي الأرض أيضاً لأن القصد إلزامهم بما هو مسلم لهم ظاهر لكل أحد والشركة في الحوادث السفلية ليست كذلك لتملكهم وإيجادهم لبعضها بحسب الصورة الظاهرة. وقيل: الأظهر أن تجعل الآية من حذف معادل { أَمْ } المتصلة لوجود دليله والتقدير ألهم شرك في الأرض أم لهم شرك في السمٰوات؟ وهو كما ترى. وقوله تعالى: { ٱئْتُونِي بِكِتَـٰبٍ } إلى آخره تبكيت لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلي بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقلي فهو من جملة القول أي ائتوني بكتاب إلهي كائن { مّن قَبْلِ هَـٰذَا } الكتاب أي القرآن الناطق بالتوحيد وإبطال الشرك دال على صحة دينكم { أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } أي بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين شاهدة باستحقاقهم العبادة، فالإثارة مصدر كالضلالة بمعنى البقية من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من لحم أي بقية منه.

السابقالتالي
2