Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح المعاني/ الالوسي (ت 1270 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }

وقوله تعالى: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ } أي من النفوس البرة والفاجرة { بِمَا كَسَبَتْ } أي من خير أو شر { لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب { إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي سريع حسابه إذ لا يشغله سبحانه شأن عن شأن فيصل إلى المحاسب من النفوس ما يستحقه سريعاً. روي عن ابن عباس أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها من تتمة الجواب جىء به لبيان إجمال فيه، والتذييل لتعليل ما قبله.

والمنادي بذلك سؤالاً وجواباً واحد. أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال: «يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله تعالى فيها قط ولم يخطأ فيها فأول ما يتكلم أن ينادي منادلّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ * ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [غافر: 16ـ17] فأول ما يبدؤن به من الخصومات الدماء» الحديث، وهو عند الحسن الله نفسه عز وجل، وقيل: ملك، وقيل: السائل هو الله تعالى أو ملك والمجيب الناس.

وذكر الطيبـي تقريراً لعبارة «الكشاف» أن قوله تعالى: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ } الخ تعليل فيجب أن يكون السائل والمجيب هو الله عز وجل، فإنه سبحانه لما سأل { لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } وأجاب هو سبحانه بنفسه { للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } كان المقام موقع السؤال وطلب التعليل فأوقع { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ } جواباً عنه يعني إنما اختص الملك به تعالى لأنه وحده يقدر على مجازاة كل نفس بما كسبت وله العدل التام فلا يظلم أحداً وله التصرف فلا يشغله شأن عن شأن فيسرع الحساب، ولو أوقع { للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } جواباً عن أهل المحشر لم يحسن هذا الاستئناف انتهى، وفيه ما فيه.

والحق أن قوله تعالى: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ } الخ إن كان من كلام المجيب كما هو ظاهر حديث ابن مسعود بعد أن يكون من الناس، وجوز فيه أن لا يكون من تتمة الجواب بل هو حكاية لما سيقوله تعالى في ذلك / اليوم عقيب السؤال والجواب. وأياً ما كان فتخصيص الملك به تعالى في ذلك اليوم إنما هو بالنظر إلى ظاهر الحال من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وظهور ذلك للكفرة والجهلة. وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائماً.

وذهب محمد بن كعب القرظي إلى أن السؤال والجواب منه تعالى ويكونان بين النفختين حين يفني عز وجل الخلائق. وروي نحوه عن ابن عباس. أخرج عبد بن حميد في «زوائد الزهد» وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في «الحلية» عنه رضي الله تعالى عنه قال: «ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل الله سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول: { لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } » والسياق ظاهر في أن ذلك يوم القيامة فلعله على تقدير صحة الحديث يكون مرتين.

السابقالتالي
2