Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح المعاني/ الالوسي (ت 1270 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

{ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ } طيب { فُرَاتٌ } كاسر العطش ومزيله. وقال الراغب: الفرات الماء العذب يقال للواحد والجمع، ولعل الوصف على هذا على طرز أسود حالك وأصفر فاقع { سَائِغٌ شَرَابُهُ } سهل انحداره لخلوه مما تعافه النفس. وقرأ عيسى { سيغ } كميت بالتشديد، وجاء كذلك عن أبـي عمرو وعاصم، وقرأ عيسى أيضاً { سيغ } كميت بالتخفيف { وَهَـٰذَا مِلْحٌ } متغير طعمه التغير المعروف، وقرأ أبو نهيك وطلحة { مِلْحٌ } بفتح الميم وكسر اللام، قال أبو الفتح الرازي: وهي لغة شاذة، وجوز أن يكون مقصوراً من مالح للتخفيف، وهو مبني على ورود مالح والحق وروده بقلة وليس بلغة رديئة كما قيل. وفرق الإمام بين الملح والمالح بأن الملح الماء الذي فيه الطعم المعروف من أصل الخلقة كماء البحر والمالح الماء الذي وضع فيه ملح فتغير طعمه ولا يقال فيه إلا مالح ولم أره لغيره، وقال بعضهم: لم يرد مالح أصلاً وهو قول ليس بالمليح { أُجَاجٌ } شديد الملوحة والحرارة من قولهم أجيج النار وأجتها، ومن هنا قيل هو الذي يحرق بملوحته، وهذا مثل ضرب للمؤمن والكافر.

وقوله تعالى: { وَمِن كُلّ } أي من كل واحد منهما { تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } أي غضا جديداً وهو السمك على ما روي عن السدي، وقيل الطير والسمك واختار كثير الأول، والتعبير عن السمك باللحم مع كونه حيواناً قيل للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيه على المسارعة إلى أكله لئلا يتسارع إليه الفساد كما ينبىء عنه جعل كل من البحرين مبدأ أكله.

واستدل مالك والثوري بالآية حيث سمي فيها السمك لحما على حنث من حلف لا يأكل لحماً وأكل سمكاً، وقال غيرهما: لا يحنث لأن مبني الأيمان على العرف وهو فيه لا يسمى لحماً ولذلك لا يحنث من حلف لا يركب دابة فركب كافراً مع أن الله تعالى سماه دابة في قوله سبحانه:إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [الأنفال: 55] ولا يبعد عندي أن يراد بلحماً لحم السمك ودعوى التلويح بانحصار الانتفاع بالسمك في الأكل لا أظنها تامّة.

{ وَتَسْتَخْرِجُونَ } ظاهره ومن كل تستخرجون { حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } والحلية التي تستخرج من البحر الملح اللؤلؤ والمرجان ويلبس ذلك الرجال والنساء وإن اختلفت كيفية اللبس، أو يقال عبر عن لبس نسائهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لبسهن لأجلهم، ولا نعلم حلية تستخرج من البحر العذب، ولا يظهر هنا اعتبار إسناد ما للبعض إلى الكل كما اعتبر ذلك في قوله تعالى:يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [الرحمٰن: 22] وكون بعض الصخور التي في مجاري السيول قد تكسر فيوجد فيها ماس وهو حلية تلبس إن صح لا ينفع اعتباره هنا إذ ليس فيه استخراج الحلية من البحر العذب ظاهراً، وقيل: لا يبعد أن تكون الحلية المستخرجة من ذلك عظام السمك التي يصنع منها قبضات للسيوف / والخناجر مثلاً فتحمل ويتحلى بها، وفيه ما فيه لا سيما إذا كانت الحلية كالحلي ما يتزين به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة، وقال الخفاجي: لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة وإن لم نره، ولا يخفى ما فيه من البعد.

السابقالتالي
2 3