Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح المعاني/ الالوسي (ت 1270 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

{ وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } مقدر بقول معطوف على مقدر قبل قوله تعالى:رَبَّنَا أَبْصَرْنَا } [السجدة: 12] الخ وهو جواب لقولهم { ارجعنا } يفيد أنهم لو أرجعوا لعادوا لما نهوا عنه لسوء اختيارهم وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى إعطاءهم الهدى أي ونقول: لو شئنا أي لو تعلقت مشيئتنا تعلقاً فعلياً بأن نعطي كل نفس من النفوس البرة والفاجرة هداها أي ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح، وفسره بعضهم بنفس الإيمان والعمل الصالح والأول أولى، وأما تفسيره بما سأله الكفرة من الرجوع إلى الدنيا أو بالهداية إلى الجنة فليس بشيء لأعطيناها إياه في الدنيا التي هي دار الكسب وما أخرناه إلى دار الجزاء.

{ وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى } أي ثبت وتحقق قولي وسبقت كلمتي حيث قلت لإبليس عند قوله:لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [ص: 82 ـ 85] وهو المعني بقوله تعالى: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } كما يلوح به تقديم الجنة على الناس فإنه في الخطاب لإبليس مقدم وتقديمه هناك لأنه الأوفق لمقام تحقير ذلك المخاطب عليه اللعنة، وقيل: التقديم في الموضعين لأن الجهنميين من الجنة أكثر. ويعلم مما ذكرنا وجه العدول عن ضمير العظمة في قوله سبحانه: { وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا } إلى ضمير الوحدة في قوله جل وعلا: { وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى } وذلك لأن ما ذكر إشارة إلى ما وقع في الرد على اللعين وقد وقع فيه القول والإملاء مسندين إلى ضمير الوحدة ليكون الكلام على طرز { لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ } في توحيد الضمير، وقد يقال: ضمير العظمة أوفق بالكثرة الدال عليها { كُلُّ نَفْسٍ } والضمير الآخر أوفق بما دون تلك الكثرة الدال عليه { مِنَ ٱلْجَنَّةِ والناس } أو يقال: إنه وحد الضمير في الوعيد لما أن المعني به المشركون فكأنه أخرج الكلام على وجه لا يتوهم فهي متوهم نوعاً من أنواع الشركة أصلاً أو أخرج على وجه يلوح بما عدلوا عنه من التوحيد إلى ما ارتكبوه مما أوجب لهم الوعيد من الشرك، أو يقال: وحد الضمير في { لأَمْلأَنَّ } لأن الإملاء لا تعدد فيه فتوحيد الضمير أوفق به ويقال نظير ذلك في { حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى } والإيتاء يتعدد بتعدد المؤتى فضمير العظمة أوفق به ويقال نظيره في { شِئْنَا } فتدبر، ولا يلزم من قوله تعالى: { أَجْمَعِينَ } دخول جميع الجن والإنس فيها، وأما قوله تعالى:وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [مريم: 71] فالورود فيه غير الدخول، وقد مر الكلام في ذلك لأن { أَجْمَعِينَ } تفيد عموم الأنواع لا الأفراد فالمعنى لأملأنها من ذينك النوعين جميعاً كملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعاً كذا قيل، ورد بأنه لو قصد ما ذكر لكان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقال كليهما، واستظهر أنها لعموم الأفراد والتعريف في { ٱلْجَنَّةِ والناس } للعهد والمراد عصاتهما ويؤيده الآية المتضمنة خطاب إبليس.

السابقالتالي
2 3