Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح المعاني/ الالوسي (ت 1270 هـ) مصنف و مدقق


{ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }

{ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } استئناف متضمن تقبيح حال أولئك المهلكين الظالمين لأنفسهم وأضرابهم ممن تولى غير الله عز وجل، وفيه إشارة إلى أعظم أنواع ظلمهم فالمراد بالموصول جميع المشركين الذين عبدوا من دون الله عز وجل الأوثان. وجوز أن يكون جميع من اتخذ غيره تعالى متكلاً ومعتمداً آلهة كان ذلك أو غيرها، ولذا عدل إلى أولياء من آلهة أي صفتهم أو شبههم { كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ } أي كصفتها أو شبهها. { ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ } بيانا لصفة العنكبوت التي يدور عليها أمر التشبيه.

والجملة على ما نقل عن الأخفش من لزوم الوقف على العنكبوت مستأنفة لذلك { وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ } الخ في موضع الحال من فاعل { اتخذت } المستكن فيه، وجوز كونه في موضع الحال من مفعوله بناء على جواز مجيء الحال من النكرة، وعلى الوجهين وضع المظهر موضع الضمير الراجع إلى ذي الحال، والجملة من تتمة الوصف. واللام في { البيوت } للاستغراق، والمعنى مثل المتخذين لهم من دون الله تعالى أولياء في اتخاذهم إياهم كمثل العنكبوت وذلك أنها اتخذت لها بيتاً والحال أن أوهن كل البيوت وأضعفها بيتها، وهؤلاء اتخذوا لهم من دون الله تعالى أولياء والحال أن أوهن كل الأولياء وأضعفها أولياؤهم، وإن شئت فقل: إنها اتخذت بيتاً في غاية الضعف وهؤلاء اتخذوا لها أو متكلاً في غاية الضعف فهم وهي مشتركان في اتخاذ ما هو في غاية الضعف في بابه، ويجوز أن تكون جملة { اتخذت } حالاً من { العنكبوت } بتقدير قد أو بدونها أو صفة لها لأن أل فيها للجنس، وقد جوزوا الوجهين في الجمل الواقعة بعد المعرف بأل الجنسية نحو قوله تعالى:كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } [الجمعة: 5] وعن الفراء أن الجملة صلة لموصول محذوف وقع صفة { ٱلْعَنكَبُوتِ } أي التي اتخذت، وخرج الآية التي ذكرناها على هذا واختار حذف الموصول في مثله ابن درستويه، وعليه لا يوقف على { العنكبوت } ، وأنت تعلم أن كون الجملة صفة أظهر. والمعنى حينئذ مثل المشرك الذي عبد الوثن بالقياس إلى الموحد الذي عبد الله تعالى كمثل عنكبوت اتخذت بيتاً بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً بآجر وجص أو نحته من صخر وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان، وهو وجه حسن ذكره الزمخشري في الآية، وقد اعتبر فيه تفريق التشبيه، والغرض إبراز تفاوت المتخذين والمتخذ مع تصوير توهين أمر أحدهما وإدماج توطيد الآخر، وعليه يجوز أن يكون قوله تعالى: { وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ } جملة حالية لأنه من تتمة التشبيه، وأن يكون اعتراضية لأنه لو لم يؤت به لكان في ضمنه ما يرشد إلى هذا المعنى وإلى كونه جملة حالية ذهب الطيبـي.

السابقالتالي
2 3