Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح المعاني/ الالوسي (ت 1270 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ } * { وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ }

أي ولا تصيبك الشمس يقال: ضحا كسعى وضحي كرضي ضحواً وضحياً إذا أصابته الشمس، ويقال ضحا ضحواً وضحواً وضحياً إذا برز لها، وأنشدوا قول عمر بن أبـي ربيعة:
رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت   فيضحى وأما بالعشي فيخصر
وفسر بعضهم ما في الآية بذلك والتفسير الأول مروي عن عكرمة، وأياً ما كان فالمراد نفي أن يكون بلا كن، والجملة تعليل لما يوجبه النهي فإن اجتماع أسباب الراحة فيها مما يوجب المبالغة في الاهتمام بتحصيل مبادي البقاء فيها والجد في الانتهاء عما يؤدي إلى الخروج عنها، والعدول عن التصريح بأن له عليه السلام فيها تنعماً بفنون النعم من المآكل والمشارب وتمتعاً بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية مع أن فيه من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى إلى ما ذكر من نفي نقائضها التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتذكير تلك الأمور المنكرة والتنبيه على ما فيها من أنواع الشقوة التي حذره سبحانه عنها ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، ومعنى { أَلاَّ تَجُوعَ } الخ أن لا يصيبه شيء من الأمور الأربعة أصلاً فإن الشبع والري والكسوة والكن قد تحصل بعد عروض أضدادها وليس الأمر فيها كذلك بل كلما وقع فيها شهوة وميل إلى شيء من الأمور المذكورة تمتع به من غير أن يصل إلى حد الضرورة على أن الترغيب قد حصل بما سوغ له من التمتع بجميع ما فيها سوى الشجرة حسبما ينطق به قوله تعالى:وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } [البقرة: 35] وقد طوي ذكره هٰهنا اكتفاءً بذلك واقتصر على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، وقال بعضهم: إن الاقتصار على ما ذكر لما وقع في سؤال آدم عليه السلام فإنه روي أنه لما أمره سبحانه بسكنى الجنة قال إلٰهي ألي فيها ما آكل ألي فيها ما ألبس ألي فيها ما أشرب ألي فيها ما استظل به فأجيب بما ذكر، وفي القلب من صحة الرواية شيء.

/ ووجه إفراده عليه السلام بما ذكر ما مر آنفاً، وقيل: كونه السائل وكان الظاهر عدم الفصل بين الجوع والظمأ والعري والضحو للتجانس والتقارب إلا أنه عدل عن المناسبة المكشوفة إلى مناسبة أتم منها وهي أن الجوع خلو الباطن والعري خلو الظاهر فكأنه قيل لا يخلو باطنك وظاهرك عما يهمهما، وجمع بين الظمأ المورث حرارة الباطن والبروز للشمس وهو الضحو المورث حرارة الظاهر فكأنه قيل: لا يؤلمك حرارة الباطن والظاهر وذلك الوصل الخفي وهو سر بديع من أسرار البلاغة، وفي «الكشف» إنما عدل إلى المنزل تنبيهاً على أن الشبع والكسوة أصلان وأن الأخيرين متممان على الترتيب فالامتنان على هذا الوجه أظهر، ولهذا فرق بين القرينتين فقيل أولاً { إِنَّ لَكَ } وثانياً { إِنَّكَ } ، وقد ذكر هذا العلامة الطيبـي أيضاً ثم قال: وفي تنسيق المذكورات الأربعة مرتبة هكذا مقدماً ما هو الأهم فالأهم ثم في جعلها تفصيلاً لمضمون قوله تعالى:

السابقالتالي
2 3