Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جواهر التفسير/ الخليلي (مـ 1942م- ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } * { فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }

في هاتين الآيتين بيان الداعي لأمر بني إسرائيل بذبح البقرة المذكور في الآيات السابقة، وإيضاح للحكمة البالغة التي كانت تكمن وراء هذا الأمر، وذلك أن قتيلاً من بني إسرائيل وجد على باب سبط من أسباطهم فشبت بينهم نار فتنة كادوا يصطلون بأوارها، فقد تداروا مسؤولية قتله، وألقاها كل سبط على عاتق غيره من الأسباط مدعياً براءته منها براءة الذئب من دم يوسف، فما كان منهم إلا أن امتشقوا السيوف وشرعوا الأسنة وكادوا يتجالدون بالسلاح لولا عناية الله التي ساقت بعضهم إلى اقتراح التحاكم إلى موسى نبي الله ورسوله عليه السلام.

وقد عنى المفسرون بالمأثور بهذه القصة فأوردوها على وجوه شتى؛ فمن قائل: كان القاتل ابن أخ للقتيل، وقائل: كان ابن عمه، وآخرون ذهبوا إلى أن القاتل أكثر من واحد، وقد ذكرت فيما سبق ما يجمع بين هذه الأقوال.

وقد سبق الحديث عن النفس، وهي مؤنثة اللفظ وأما مدلولها فيكون تارة ذكرا وتارة أنثى، وهي هنا بمعنى الإِنسان، وإطلاقها عليه لأنه مشتمل على الروح المسماة بالنفس، وأصل هذه التسمية مأخوذة من التنفس لأنه أبرز علامات وجود الروح.

وأصل " ادارأتم " تدارأتم غير أن التاء أدغمت في الدال واجتلبت همزة الوصل لابتداء النطق بها حتى لا يبدأ بساكن عندما يبتدأ في النطق بالفعل، أما اذا كان موصولا بما قبله فثبت همزة الوصل في صورة الأف خطا وتسقط لفظا، ونحو هذا قوله تعالى:حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا } [الأعراف: 38]، وهو جائز عندما يكون الفعل على وزن تفاعل أو تفعل، وتكون فاؤه دالا، أو ذالا، أو تاءا، أو طاء، او ظاء، أو صاد، أو ضادا، أو زايا، أو سينا، أو شينا.

والدرء الدفع، ومنه قوله تعالى:وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ } [النور: 8]، وتدارؤهم في النفس المقتولة تدافعهم مسؤولية قتلها بتبرؤ كل فريق منها وإلقائها على غيره من الفرقاء، وفسر ابن جرير الدرا بالعوج، واستشهد له بقول أبي النجم:
خشية طغام إذا هم حسر   يأكل ذا الدرء ويقصى من حقر
وقول رؤبة:
أدركتها قدام كل مدره   بالدفع عني درء كل عنجه
وحمل عليه قول السائب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت لا تماري ولا تدارئ، وأتبعه قوله: يعني بقوله لا تداري، لا تخالف رفيقك وشريكك، ولا تنازعه ولا تشاره.

وحاصل قوله: أن التدارؤ هو المعاوجة المصحوبة بالشقاق والنزاع وهو قريب من تفسيره بالتدافع، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن هذا التدارؤ لم يكن قوليا فسحب بل كان تدافعا بالأيدي.

و " مخرج " بمعنى مظهر، وما كانو يكتمونه هو معرفتهم بالقاتل، فإن القتلة كانوا يعرفون أنفسهم، وكذلك الذين كانوا يشايعونهم على كتمان هذا السر، وإلقاء مسؤولية هذا الأمر على غيرهم.

السابقالتالي
2 3 4