Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير هميان الزاد إلى دار المعاد / اطفيش (ت 1332 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ }

{ وللّهِ } لا لغيره { يسْجدُ } حقيقة سجود { مَنْ فى السَّماوات } من الملائكة { والأرضِ } منهم ومن الإنس والجن { طوعا } حال الشدة والرخاء من الملائكة ومؤمنى الإنس والجن ومنافقيهما، بغير إسرار الشرك { وكَرْهاً } حال الشدة من مشركيها ومنافقيها بإسرار الشرك أو بغيره، كالموحد الذى لا يصلى إلا خوفا، ولا يقع من الملائكة عصيان، وزعم بعض أن عامتهم قد تعصى دون الخاصة وهو خطأ. فإن قلت سجود المنافق المسر للشرك ظاهر، فإنه يسجد خوفا، فما سجود المشرك كرها؟ قلت هو أن يشتد به أمر فيلتجئ إلى الله، ويكشف عنه. وإن قلت فما سجود المشرك المنكر لله؟ قلت لا سجود له، وليس مراداً فى الآية، وإن شئت فقل المراد فى السجود الانقياد فلا يخرج عن الآية شىء، لأن أجسام المؤمن والمنافق والمشرك بالمساواة أو بالجحود، أو بخصله كلها لا تمتنع مما أراد الله فيها من تصرف كإمراض وإنحال، وإسمان وترقيق وتغليظ، وتبييض وتسويد، وغير ذلك، ولأن الجسم مقربا لله وطائع له، ولو كفر القلب وعصاه، واستعمل الجسم فى المعصية، ولا يقال لو كان كذلك لكان تعذيب الجسم جورا، تعالى الله عنه. لأنا نقول إنما يتألم القلب ويتوجع دونه، ألا ترى أن المسكر لا يتوجع بما تفعله به حال السكر، كذا ظهر لى، وإن شئت فقل المراد بالسجود مطلق الخضوع والانقياد، فيتصور من بعض بالسجود على الأرض ونحوها، وبغيره، ومن بعض بغيره، من عدم الامتناع مما يتصرف فيه الله. ويجوز أن يراد بمن العاقل وغيره، على أن السجود مطلق الخضوع والانقياد كما مر آنفا، وطوعا حال على التأويل بالوصف، أى طائعين وكارهين، أو بتقدير مضاف أى ذوى طوع وذوى كره، أو مفعول مطلق بحال محذوفة، أو يطوعون طوعا، وكارهين أو يكرهون كرها، ويجوز التقدير بالإفراد فى ذلك كله نظرا إلى لفظ من، أو مفعول مطلق على حذف مضاف، أى سجود طوع وسجود كره، أو مفعول لأجله أى للطوع والكره. { وظِلالُهم } معطوف على مَنْ وهو جمع ظل، ومعنى سجود الظل انقياده بتصريف الله جل جلاله فيه بالمد والقصر، بحسب ارتفاع الشمس وانخفاضها بإذن الله، أو معنى سجوده تبعه لسجود الذات، أو مطلق الخضوع الشامل لذلك كله. وقال ابن الأنبارى لا يبعد أن يكون قد خلق الله للظل عقلا يسجد به، ولو كان الظل عرضا، وإن قلت هل يسجد ظل الكافر طوعا أو كرها. قلت طوعا كظل المؤمن كما ذكره الزجاج قائلا إن الكافر إذا سجد لغير الله سجد ظله لله، وعن مجاهد أنه يسجد كرها وهو مشكل، لأنه يقتضى كفر ذلك الظل وهو غير مكلف. { بالغُدوِّ } أى فى الغدو وهو جمع غداة كفتى وفتاة، إلا أن نون فتى مكسورة بعد قلب واو فعول ياء، لئلا تقلب الياء المشددة واوا، ودال الغدو مضمومة باقية على الضم لمناسبة الواو، وأصله غدو، وأدغمت الواو فى الواو، والغدات أول النهار من طلوع الشمس، وقيل إلى نصف النهار، وقيل الغدو مفرد بمعنى الغداة، وقيل مصدر أى فى وقت الغدو.

السابقالتالي
2