Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } * { وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } * { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } * { مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

بيان الآيات متصلة بما قبلها، وهي بمنزلة تجديد البيان لما انتهى إليه الكلام في الآيات السابقة، وذلك أن الهدى والضلال يدوران مدار دعوته تعالى بأسمائه الحسنى والإِلحاد فيها، والناس من منتحلهم وزنديقهم وعالمهم وجاهلهم لا يختلفون بحسب فطرتهم وباطن سريرتهم في أن هذا العالم المشهود متكئ على حقيقة هي المقومة لاعيان أجزائها الناظمة نظامها، وهو الله سبحانه الذي منه يبتدء كل شيء وإليه يعود كلّ شيء الذي يفيض على العالم ما يشاهد فيه من جمال وكمال، وهي له ومنه. والناس في هذا الموقف على ما لهم من الاتفاق على أصل الذات ثلاثة أصناف صنف يسمونه بما لا يشتمل من المعنى إلا على ما يليق أن ينسب إلى ساحته من الصفات المبينة للكمال، أو النافية لكل نقص وشين، وصنف يلحدون في أسمائه، ويعدلون بالصفات الخاصة به إلى غيره كالماديين والدهريين الذين ينسبون الخلق والإِحياء والرزق وغير ذلك إلى المادة أو الدهر، وكالوثنيين الناسبين الخير والنفع إلى آلهتهم، وكبعض أهل الكتاب حيث يصفون نبيهم أو أولياء دينهم بما يختص له تعالى من الخصائص، ويلحق بهم طائفة من المؤمنين حيث يعطون للأسباب الكونية من الاستقلال في التأثير ما لا يليق إلا بالله سبحانه، وصنف يؤمنون به تعالى غير أنهم يلحدون في أسمائه فيثبتون له من صفات النقص والأفعال الدينية ما هو منزه عنه كالاعتقاد بأن له جسماً، وأن له مكاناً، وأن الحواس المادية يمكن أن تتعلق به على بعض الشرائط، وأن له علماً كعلومنا وإرادة كإراداتنا وقدرة كمقدراتنا، وأن لوجوده بقاء زمانياً كبقائنا، وكنسبة الظلم في فعله أو الجهل في حكمه ونحو ذلك إليه، وهذه جميعاً من الإِلحاد في أسمائه. وترجع الأصناف الثلاثة في الحقيقة إلى صنفين صنف يدعونه بالأسماء الحسنى ويعبدون الله ذو الجلال والإِكرام، وهؤلاء هم المهتدون بالحق، وصنف يلحدون في أسمائه ويسمون غيره باسمه أو يسمونه باسم غيره وهؤلاء أصحاب الضلال الذين مسيرهم إلى النار على حسب حالهم في الضلال وطبقاتهم منه، وقد بين الله سبحانه أن الهداية منه مطلقاً فإنها صفة جميلة وله تعالى حقيقتها، وأما الضلال فلا ينسب إليه سبحانه أصله لأنه بحسب الحقيقة عدم اهتداء المحل بهداية الله، وهو معني عدمي وصفة نقص وأما تثبيته في المحل بعد أول تحققه، وجعله صفة لازمة للمحل بمعنى سلب التوفيق وقطع العطية الإِلهية جزاء للضال بما آثر الضلال على الهدى، وكذب بآيات الله فهو من الله سبحانه، وقد نسبه إلى نفسه في كلامه، وذلك بالاستدراج والإِملاء. فالآيات تشير إلى أن ما انتهى إليه كلامه سبحانه أن حقيقة الهداية والإِضلال من الله إنما مغزاه وحقيقة معناه أن الأمر يدور مدار دعوته تعالى بالأسماء الحسنى وكلها له، وهو الاهتداء، والإِلحاد في أسمائه، والناس في ذلك صنفان مهتد بهداية الله لا يعدل به غيره، وضال منحرف عن أسمائه مكذب بآياته، والله سبحانه يسوقهم إلى النار جزاء لهم بما كذبوا بآياته كما قال { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإِنس } الآية، وذلك بالاستدراج والإِملاء.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد