Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ } * { وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } * { يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } * { ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ } * { وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } * { وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } * { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } * { قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ }

بيان الآيات متصلة بما قبلها وهي تفسر معنى ولاية بعض الظالمين بعضاً المجعولة من الله سبحانه كتولية الشياطين للكافرين، وأن ذلك ليس من الظلم في شيء فإنهم سيعترفون يوم القيامة أنهم إنما أشركوا واقترفوا المعاصي بسوء اختيارهم واغترارهم بالحياة الدنيا بعد البيان الإِلهي وإنذارهم باليوم الآخر حتى تلبسوا بالظلم، والظالمون لا يفلحون. فالقضاء الإِلهي لا يسلب عنهم الاختيار الذي عليه مدار المؤاخذة والمجازاة، ولا الاختيار الإِنساني الذي عليه مدار السعادة والشقاوة يزاحم القضاء الإِلهي فمتابعة الإِنسان أولياء من الشياطين باختياره وإرادته هي المقضية لا أن القضاء يبطل اختيار الإِنسان في فعله أولاً ثم يضطره إلى اتباع الشياطين فيجبره الله أو يجبره الشياطين على سلوك طريق الشقاء وانتخاب الشرك واقتراف الذنوب والآثام بل الله سبحانه غني عنهم لا حاجة له إلى شيء مما بأيديهم حتى يظلمهم لأجله، وإنما خلقهم برحمته وحثهم عليها لكنهم ظلموا فلم يفلحوا. قوله تعالى { ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن } إلى قوله { أجلت لنا } يقال أكثر من الشيء أو الفعل واستكثر منه إذا أتى بالكثير، واستكثار الجن من الإِنس ليس من جهة أعيانهم فإن الآتي بأعيانهم في الدنيا والمحضر لهم يوم القيامة هو الله سبحانه، وإنما للشياطين الاستكثار مما هم مسلطون عليه وهو إغواء الإِنس من طريق ولايتهم عليهم وليست بولاية إجبار واضطرار بل من قبيل التعامل من الطرفين يتبع التابع المتبوع ابتغاء لما يرى في اتباعه من الفائدة، ويتولى المتبوع أمر التابع ابتغاءً لما يستدر من النفع في ولايته عليه وإدارة شؤونه، فللجن نوع التذاذ من إغواء الإِنس والولاية عليهم، وللإِنس نوع التذاذ من اتباع الوساوس والتسويلات ليستدروا بذلك اللذائذ المادية والتمتعات النفسانية. وهذا هو الذي يعترف به أولياء الجن من الإِنس بقولهم ربنا استمتع بعضنا ببعض فتمتعنا بوساوسهم وتسويلاتهم من متاع الدنيا وزخارفها، وتمتعوا منا بما كانت تشتهيه أنفسهم حتى آل أمرنا ما آل إليه. ومن هنا يظهر - كما يعطيه السياق - أن المراد بالأجل في قولهم { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } الحد الذي قدر لوجودهم والدرجة التي حصلت لهم من أعمالهم دون الوقت الذي ينتهي إليه أعمارهم وبعبارة أخرى آخر درجة نالوها من فعلية الوجود لا الساعة التي ينتهي إليها حياتهم فيرجع المعنى إلى أن بعضنا استمتع ببعض بسوء اختياره وسيئ علمه فبلغنا بذلك السير الاختياري ما قدرت لنا من الأجل، وهو أنّا ظالمون كافرون. فمعنى الآية ويوم يحشرهم جميعاً ليتم أمر الحجاج عليهم فيقول للجن يا معشر الجن قد استكثرتم من ولاية الإِنس وإغوائهم، { وقال أولياؤهم من الإِنس } في الاعتراف بحقيقة الأمر { ربنا استمتع بعضنا ببعض } فاستمتعنا معشر الإِنس من الجن بأن تمتعنا بزخارف الدنيا وما تهواه أنفسنا بتسويلاتهم، وتمتع الجن منا باتباع ما كانوا يلقون إلينا من الوساوس وكنا على ذلك حتى بلغنا آخر ما بلغنا من فعلية الحياة الشقية ودرجة العمل.

السابقالتالي
2 3 4