Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ } * { يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ } * { قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } * { قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } * { قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } * { قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ } * { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ }

بيان الآيات غير خالية عن الاتصال بما قبلها فإنها تشتمل على نقضهم بعض المواثيق المأخوذة عليهم وهو الميثاق بالسمع والطاعة لموسى، وتجبيههم موسى عليه السلام بالرد الصريح لما دعاهم إليه وابتلائهم جزاء لذنبهم هذا بالتيه وهو عذاب إلهي. وفي بعض الأخبار ما يشعر أن هذه الآيات نزلت قبل غزوة بدر في أوائل الهجرة، على ما ستجيء الإشارة إليها في البحث الروائي التالي إن شاء الله. قوله تعالى { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم } إلى آخر الآية الآيات النازلة في قصص موسى تدل على أن هذه القصة - دعوة موسى إياهم إلى دخول الأرض المقدسة - إنما كانت بعد خروجهم من مصر، كما أن قوله في هذه الآية { وجعلكم ملوكاً } يدل على ذلك أيضاً. ويدل قوله { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } على سبق عدة من الآيات النازلة عليهم كالمن والسلوى وانفجار العيون من الحجارة وإضلال الغمام. ويدل قوله { القوم الفاسقين } المتكرر مرتين على تحقق المخالفة ومعصية الرسول منهم قبل القصة مرة بعد مرة حتى عادوا بذلك متلبسين بصفة الفسق. فهذه قرائن تدل على وقوع القصة أعني قصة التيه في الشطر الأخير من زمان مكث موسى عليه السلام فيهم بعد أن بعثه الله تعالى إليهم وأن غالب القصص المقتصة في القرآن عنهم إنما وقعت قبل ذلك. فقول موسى لهم { اذكروا نعمة الله عليكم } أُريد به مجموع النعم التي أنعم الله بها عليهم وحباهم بها، وإنما بدأ بذلك مقدمة لما سيندبهم إليه من دخول الأرض المقدسة فذكرهم نعم ربهم لينشطوا بذلك لاستزادة النعمة واستتمامها فإن الله قد كان أنعم عليهم ببعثه موسى وهدايتهم إلى دينه، ونجاتهم من آل فرعون، وإنزال التوراة، وتشريع الشريعة فلم يبق لهم من تمام النعمة إلا أن يمتلكوا أرضاً مقدسة يستقلون فيها بالقطون والسؤدد. وقد قسم النعمة التي ذكرهم بها ثلاثة أقسام حين التفصيل فقال { إذ جعل فيكم أنبياء } وهم الأنبياء الذين في عمود نسبهم كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من الأنبياء، أو خصوص الأنبياء من بني إسرائيل كيوسف أو الأسباط وموسى وهارون، والنبوة نعمة أُخرى. ثم قال { وجعلكم ملوكاً } أي مستقلين بأنفسكم خارجين من ذل استرقاق الفراعنة وتحكم الجبابرة، وليس الملك إلا من استقل في أمر نفسه وأهله وماله، وقد كان بنو إسرائيل في زمن موسى يسيرون بسنة اجتماعية هي أحسن السنن وهي سنة التوحيد التي تأمرهم بطاعة الله ورسوله، والعدل التام في مجتمعهم، وعدم الاعتداء على غيرهم من الأمم من غير أن يتأمر عليهم بعضهم أو يختلف طبقاتهم اختلافاً يختل به أمر المجتمع، وما عليهم إلاَّ موسى وهو نبي غير سائر سيرة ملك أو رئيس عشيرة يستعلي عليهم بغير الحق.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8