Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ } * { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } * { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } * { فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } * { سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } * { وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ }

بيان تصف السورة الذين كفروا بما يخصهم من الأوصاف الخبيثة والأعمال السيئة وتصف الذين آمنوا بصفاتهم الطيبة وأعمالهم الحسنة ثم تذكر ما يعقب صفات هؤلاء من النعمة والكرامة وصفات أولئك من النقمة والهوان وعلى الجملة فيها المقايسة بين الفريقين في صفاتهم وأعمالهم في الدنيا وما يترتب عليها في الأخرى، وفيها بعض ما يتعلق بالقتال من الأحكام. وهي سورة مدنية على ما يشهد به سياق آياتها. قوله تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } فسر الصد بالإِعراض عن سبيل الله وهو الإِسلام كما عن بعضهم، وفسر بالمنع وهو منعهم الناس أن يؤمنوا بما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إليه من دين التوحيد كما عن بعض آخر. وثاني التفسيرين أوفق لسياق الآيات التالية وخاصة ما يأمر المؤمنين بقتلهم وأسرهم وغيرهم. فالمراد بالذين كفروا كفار مكة ومن تبعهم في كفرهم وقد كانوا يمنعون الناس عن الإِيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويفتنونهم، وصدوهم أيضاً عن المسجد الحرام. وقوله { أضل أعمالهم } أي جعل أعمالهم ضالة لا تهتدي إلى مقاصدها التي قصدت بها وهي بالجملة إبطال الحق وإحياء الباطل فالجملة في معنى ما تكرر منه تعالى من قولهوالله لا يهدي القوم الكافرين } البقرة 264، وقد وعد سبحانه بإحياء الحق وإبطال الباطل كما في قولهليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } الأنفال 8. فالمراد من ضلال أعمالهم بطلانها وفسادها دون الوصول إلى الغاية، وعد ذلك ضلالاً من الاستعارة بالكناية. قوله تعالى { والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزّل على محمد وهو الحق من ربهم } الخ، ظاهر إطلاق صدر الآية أن المراد بالذين آمنوا الخ، مطلق من آمن وعمل صالحاً فيكون قوله { وآمنوا بما نزل على محمد } تقييداً احترازياً لا تأكيداً وذكراً لما تعلقت به العناية في الإِيمان. وقوله { وهو الحق من ربهم } جملة معترضة والضمير راجع إلى ما نزل. وقوله { كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } قال في المجمع البال الحال والشأن والبال القلب أيضاً يقال خطر ببالي كذا، والبال لا يجمع لأنه أبهم أخواته من الحال والشأن. انتهى. وقد قوبل إضلال الأعمال في الآية السابقة بتكفير السيئات وإصلاح البال في هذه الآية فمعنى ذلك هداية إيمانهم وعملهم الصالح إلى غاية السعادة، وإنما يتم ذلك بتكفير السيئات المانعة من الوصول إلى السعادة، ولذلك ضمّ تكفير السيئات إلى إصلاح البال. والمعنى ضرب الله الستر على سيئاتهم بالعفو والمغفرة، وأصلح حالهم في الدنيا والآخرة أما الدنيا فلأن الدين الحق هو الدين الذي يوافق ما تقتضيه الفطرة الإِنسانية التي فطر الله الناس عليها، والفطرة لا تقتضي إلا ما فيه سعادتها وكمالها ففي الإِيمان بما أنزل الله من دين الفطرة والعمل به صلاح حال المؤمنين في مجتمعهم الدنيوي، وأما في الآخرة فلأنها عاقبة الحياة الدنيا وإذ كانت فاتحتها سعيدة كانت خاتمتها كذلك قال تعالى

السابقالتالي
2 3 4