Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً } * { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً } * { ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً } * { فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } * { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } * { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً }

بيان الآيات متصلة بما قبلها من حيث تتعرّض جميعاً 85 - 91 لما يرتبط بأمر القتال مع طائفة من المشركين وهم المنافقون منهم، ويظهر من التدبر فيها أنها نزلت في قوم من المشركين أظهروا الإِيمان للمؤمنين ثم عادوا إلى مقرهم وشاركوا المشركين في شركهم فوقع الريب في قتالهم، واختلفت أنظار المسلمين في أمرهم، فمن قائل يرى قتالهم، وآخر يمنع منه ويشفع لهم لتظاهرهم بالإيمان، والله سبحانه يكتب عليهم إما المهاجرة أو القتال ويحذّر المؤمنين الشفاعة في حقهم. ويلحق بهم قوم آخرون ثم آخرون يكتب عليهم إما إلقاء السلم أو القتال، ويستهل لما في الآيات من المقاصد في صدر الكلام ببيان حال الشفاعة في آية، وببيان حال التحية لمناسبتها إلقاء السلم في آية أخرى. قوله تعالى { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها } ، النصيب والكفل بمعنى واحد، ولما كانت الشفاعة نوع توسط لترميم نقيصة أو لحيازة مزية ونحو ذلك كانت لها نوع سببية لإصلاح شأن، فلها شيء من التبعة والمثوبة المتعلقتين بما لأجله الشفاعة، وهو مقصد الشفيع والمشفوع له، فالشفيع ذو نصيب من الخير أو الشر المرتب على الشفاعة، وهو قوله تعالى { من يشفع شفاعة } الخ. وفي ذكر هذه الحقيقة تذكرة للمؤمنين، وتنبيه لهم أن يتيقظوا عند الشفاعة لما يشفعون له، ويجتنبوها إن كان المشفوع لأجله مما فيه شر وفساد، كالشفاعة للمنافقين من المشركين أن لا يقاتلوا، فإن في ترك الفساد القليل على حاله، وإمهاله في أن ينمو ويعظم فساداً معقباً لا يقوم له شيء، ويهلك به الحرث والنسل، فالآية في معنى النهي عن الشفاعة السيئة وهي شفاعة أهل الظلم والطغيان والنفاق والشرك المفسدين في الأرض. قوله تعالى { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } الآية أُمر بالتحية قبال التحية بما يزيد عليها أو يماثلها، وهو حكم عام لكل تحية حيّى بها، غير أن مورد الآيات هو تحية السلم والصلح التي تلقى إلى المسلمين على ما يظهر من الآيات التالية. قوله تعالى { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم } الخ معنى الآية ظاهر، وهي بمنزلة التعليل لما تشتمل عليه الآيتان السابقتان من المضمون كأنه قيل خذوا بما كلفكم الله في أمر الشفاعة الحسنة والسيئة، ولا تبطلوا تحية من يحييكم بالإعراض والرّد فإن أمامكم يوماً يجمعكم الله فيه ويجازيكم على إجابة ما دعاكم إليه وردِّه. قوله تعالى { فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم } الآية الفئة الطائفة، والإركاس الردّ. والآية بما لها من المضمون كأنها متفرعة على ما تقدم من التوطئة والتمهيد أعني قوله { من يشفع شفاعة } الآية، والمعنى فإذا كانت الشفاعة السيئة تعطي لصاحبها كفلاً من مساءتها فما لكم أيها المؤمنون تفرقتم في أمر المنافقين فئتين، وتحزبتم حزبين فئة ترى قتالهم، وفئة تشفع لهم وتحرّض على ترك قتالهم، والإغماض عن شجرة الفساد التي تنمو بنمائهم، وتثمر برشدهم، والله ردهم إلى الضلال بعد خروجهم منه جزاء بما كسبوا من سيئات الأعمال، أتريدون بشفاعتكم أن تهدوا هؤلاء الذين أضلهم الله؟ ومن يضلل الله فما له من سبيل إلى الهدى.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7