Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } * { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } * { وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } * { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً }

بيان الآيات لا تأبى عن الاتصال بما قبلها، فكأنها من تتمة القول في ملامة الضعفاء من المسلمين، وفائدتها وعظهم بما يتبصرون به لو تدبروا واستبصروا. قوله تعالى { ويقولون طاعة } إلخ { طاعة } مرفوع على الخبرية على ما قيل، والتقدير أمرنا طاعة أي نطيعك طاعة، والبروز الظهور والخروج، والتبييت من البيتوتة، ومعناه إحكام الأمر وتدبيره ليلاً، والضمير في { تقول } راجع إلى { طائفة } أو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمعنى - والله أعلم - ويقول هؤلاء مجيبين لك فيما تدعوهم إليه من الجهاد أمرنا طاعة، فإذا أخرجوا من عندك دبروا ليلاً أمراً غير ما أجابوك به وقالوا لك، أو غير ما قلته أنت لهم، وهو كناية عن عقدهم النية على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم أمر الله رسوله بالإِعراض عنهم والتوكل في الأمر والعزيمة فقال { فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً } ولا دليل في الآية يدل على كون المحكي عنهم هم المنافقين، كما ذكره بعضهم، بل الأمر بالنظر إلى اتصال السياق على خلاف ذلك. قوله تعالى { أفلا يتدبرون القرآن } الآية تحضيض في صورة الاستفهام. التدبر هو أخذ الشيء بعد الشيء، وهو في مورد الآية التأمل في الآية عقيب الآية أو التأمل بعد التأمل في الآية، لكن لما كان الغرض بيان أن القرآن لا اختلاف فيه، وذلك إنما يكون بين أزيد من آية واحدة كان المعنى الأول أعني التأمل في الآية عقيب الآية هو العمدة وإن كان ذلك لا ينفي المعنى الثاني أيضاً. فالمراد ترغيبهم أن يتدبروا في الآيات القرآنية، ويراجعوا في كل حكم نازل أو حكمة مبينة أو قصة أو عظة أو غير ذلك، جميع الآيات المرتبطة به مما نزلت مكيتها ومدنيتها، ومحكمها ومتشابهها، ويضموا البعض إلى البعض حتى يظهر لهم أنه لا اختلاف بينها، فالآيات يصدق قديمها حديثها، ويشهد بعضها على بعض من غير أن يكون بينها أي اختلاف مفروض لا اختلاف التناقض بأن ينفي بعضها بعضاً أو يتدافعا، ولا اختلاف التفاوت بأن يتفاوت الآيتان من حيث تشابه البيان أو متانة المعاني والمقاصد بكون البعض أحكم بياناً وأشد ركناً من بعض كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه الجلود. فارتفاع هذه الاختلافات من القرآن يهديهم إلى أنه كتاب منزل من الله، وليس من عند غيره، إذ لو كان من عند غيره لم يسلم من كثرة الاختلاف، وذلك أن غيره تعالى من هذه الموجودات الكونية - ولا سيما الإنسان الذي يرتاب أهل الريب أنه من كلامه - كلها موضوعة بحسب الكينونة الوجودية وطبيعة الكون على التحرك والتغير والتكامل، فما من واحد منها إلا أن امتداد زمان وجوده مختلف الأطراف، متفاوت الحالات.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8