Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } * { ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } * { وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً } * { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً } * { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } * { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً } * { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }

{ بيان } آيات سبع فيها حث على الإِحسان والإِنفاق في سبيل الله ووعد جميل عليه وذم على تركه إما بالبخل أو بالإِنفاق مراءاة للناس. قوله تعالى { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً } هذا هو التوحيد غير أن المراد به التوحيد العملي وهو إتيان الأعمال الحسنة - ومنها الإِحسان الذي هو مورد الكلام - طلباً لمرضاة الله وابتغاءً لثواب الآخرة دون اتباع الهوى والشرك به. والدليل على ذلك أنه تعالى عقب هذا الكلام أعني قوله { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً } وعلله بقوله { إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً } وذكر أنه البخيل بماله والمنفق لرئاء الناس فهم الذين يشركون بالله ولا يعبدونه وحده ثم قال { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا } وظهر بذلك أن شركهم عدم إيمانهم باليوم الآخر وقال تعالىولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ص 26، فبين أن الضلال باتباع الهوى - وكل شرك ضلال - إنما هو بنسيان يوم الحساب ثم قالأفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } الجاثية 23، فبين أن اتباع الهوى عبادة له وشرك به. فتبيّن بذلك كله أن التوحيد العملي أن يعمل الإِنسان ابتغاء مثوبة الله وهو على ذكر من يوم الحساب الذي فيه ظهور المثوبات والعقوبات وأن الشرك في العمل أن ينسى اليوم الآخر - ولو آمن به لم ينسه - وأن يعمل عمله لا لطلب مثوبة بل لما يزينه له هواه من التعلق بالمال أو حمد الناس ونحو ذلك فقد أشخص هذا الإِنسان هواه تجاه ربه وأشرك به. فالمراد بعبادة الله والإِخلاص له فيها أن يكون طلباً لمرضاته وابتغاء لمثوبته لا لاتباع الهوى. قوله تعالى { وبالوالدين إحساناً } إلى قوله { أيمانكم } الظاهر أن قوله إحساناً مفعول مطلق لفعل مقدر تقديره وأحسنوا بالوالدين إحساناً والإِحسان يتعدى بالباء وإلى معاً يقال أحسنت به وأحسنت إليه وقوله { وبذي القربى } هو وما بعده معطوف على الوالدين وذو القربى القرابة وقوله { والجار ذي القربى والجار الجنب } قرينة المقابلة في الوصف تعطي أن يكون المراد بالجار ذي القربى الجار القريب داراً وبالجار الجنب - وهو الأجنبي - الجار البعيد داراً وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " تحديد الجوار بأربعين ذراعاً " وفي رواية أربعون داراً ولعلَّ الروايتين ناظرتان إلى الجار ذي القربى والجار الجنب. وقوله { والصاحب بالجنب } هو الذي يصاحبك ملازماً لجنبك وهو بمفهومه يعم مصاحب السفر من رفقة الطريق ومصاحب الحضر والمنزل وغيرهم وقوله { وابن السبيل } هو الذي لا يعرف من حاله إلاَّ أنه سالك سبيل كأنه ليس له من ينتسب إليه إلاَّ السبيل فهو ابنه وأما كونه فقيراً ذا مسكنة عادماً لزاد أو راحلة فكأنه خارج من مفهوم اللفظ وقوله { وما ملكت أيمانكم } المراد به العبيد والإِماء بقرينة عده في عداد من يحسن إليهم وقد كثر التعبير عنهم بما ملكته الأيمان دون من ملكته.

السابقالتالي
2 3 4