Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } * { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً } * { ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } * { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً }

بيان الآيات مرتبطة بما تقدم من أحكام المواريث وأحكام النكاح يؤكد بها أمر الأحكام السابقة ويستنتج منها بعض الأحكام الكلية التي تصلح بعض الخلال العارضة في المعاشرة بين الرجال والنساء. قوله تعالى { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } التمني قول الإِنسان ليت كذا كان كذا والظاهر أن تسمية القول بذلك من باب توصيف اللفظ بصفة المعنى وإنما التمني إنشاء نحو تعلق من النفس نظير تعلق الحب بما تراه متعذراً أو كالمتعذر سواء أظهر ذلك بلفظ أو لم يظهر. وظاهر الآية أنها مسوقة للنهي عن تمني فضل وزيادة موجودة ثابتة بين الناس وأنه ناشئ عن تلبس بعض طائفتي الرجال والنساء بهذا الفضل وأنه ينبغي الإِعراض عن التعلق بمن له الفضل والتعلق بالله بالسؤال من الفضل الذي عنده تعالى وبهذا يتعيّن أن المراد بالفضل هو المزية التي رزقها الله تعالى كلاً من طائفتي الرجال والنساء بتشريع الأحكام التي شرعت في خصوص ما يتعلق بالطائفتين كلتيهما كمزية الرجال على النساء في عدد الزوجات وزيادة السهم في الميراث ومزية النساء على الرجال في وجوب جعل المهر لهن ووجوب نفقتهن على الرجال. فالنهي عن تمني هذه المزية التي اختص بها صاحبها إنما هو لقطع شجرة الشر والفساد من أصلها فإن هذه المزايا مما تتعلق به النفس الإِنسانية لما أودعه الله في النفوس من حبها والسعي لها لعمارة هذه الدار فيظهر الأمر أولاً في صورة التمني فإذا تكرر تبدل حسداً مستبطناً فإذا أُديم عليه فاستقر في القلب سرى إلى مقام العمل والفعل الخارجي ثم إذا انضمت بعض هذه النفوس إلى بعض كان ذلك بلوى يفسد الأرض ويهلك الحرث والنسل. ومن هنا يظهر أن النهي عن التمني نهي إرشادي يعود مصلحته إلى مصلحة حفظ الأحكام المشرعة المذكورة وليس بنهي مولوي. وفي نسبة الفضل إلى فعل الله سبحانه والتعبير بقوله بعضكم على بعض إيقاظ لصفة الخضوع لأمر الله بإيمانهم به وغريزة الحب المثارة بالتنبه حتى يتنّبه المفضل عليه أن المفضل بعض منه غير مبان. قوله تعالى { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } ذكر الراغب أن الاكتساب إنما يستعمل فيما استفاده الإِنسان لنفسه والكسب أعم مما كان لنفسه أو لغيره والبيان المتقدم ينتج أن يكون هذه الجملة مبينة للنهي السابق عن التمني وبمنزلة التعليل له أي لا تتمنوا ذلك فإن هذه المزية إنما وجدت عند من يختص بها لأنه اكتسبها بالنفسية التي له أو بعمل بدنه. فإن الرجال إنما اختصوا بجواز اتخاذ أربع نسوة مثلاً وحرم ذلك على النساء لأن موقعهم في المجتمع الإِنساني موقع يستدعي ذلك دون موقع النساء وخصوا في الميراث بمثل حظ الانثيين لذلك أيضاً وكذلك النساء خصصن بنصف سهم الرجال وجعل نفقتهن على الرجال وخصصن بالمهر لاستدعاء موقعهن ذلك وكذلك ما اكتسبته إحدى الطائفتين من المال بتجارة أو طريق آخر هو الموجب للاختصاص وما الله يريد ظلماً للعباد.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد