Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } * { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } * { لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } * { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } * { يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } * { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }

بيان بعد ما أجاب عما اقترحه أهل الكتاب من سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنزيل كتاب من السماء ببيان ان رسوله إنما جاء بالحق من عند ربه، وأن الكتاب الذي جاء به من عند ربه حجة قاطعة لا ريب فيها استنتج منه صحة دعوة الناس كافة إلى نبيه وكتابه. وقد كان بيّن فيما بيّن أن جميع رسله وأنبيائه - وقد ذكر فيهم عيسى - على سنّة واحدة متشابهة الأجزاء والأطراف، وهي سنّة الوحي من الله فاستنتج منه صحة دعوة النصارى وهم أهل كتاب ووحي إلى أن لا يغلوا في دينهم، وأن يلحقوا بسائر الموحّدين من المؤمنين، ويقروا في عيسى بما أقروا به هم وغيرهم في سائر الأنبياء أنهم عباد الله ورسله إلى خلقه. فأخذ تعالى يدعو الناس كافة إلى الإيمان برسوله صلى الله عليه وآله وسلم لأن المبيّن أولاً هو صدق نبوّته في قوله { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } الآيات. ثم دعا إلى عدم الغلوِّ في حق عيسى عليه السلام لأنه المتبيّن ثانياً في ضمن الآيات المذكورة. ثم دعا إلى اتّباع كتابه وهو القرآن الكريم لأنه المبيّن أخيراً في قوله تعالى { لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه } الآية. قوله تعالى { يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم } ، خطاب عام لأهل الكتاب وغيرهم من الناس كافة، متفرّع على ما مر من البيان لأهل الكتاب، وإنما عمم الخطاب لصلاحية المدعو إليه وهو الإيمان بالرسول كذلك لعموم الرسالة. وقوله { خيراً لكم } حال من الإيمان وهي حال لازمة أي حال كون الإيمان من صفته اللازمة أنه خير لكم. وقوله { وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض } ، أي إن تكفروا لم يزد كفركم عليكم شيئاً، ولا ينقص من الله سبحانه شيئاً، فإن كل شيء مما في السموات والأرض لله فمن المحال أن يسلب منه تعالى شيء من ملكه فإن في طباع كل شيء مما في السموات والأرض أنه لله لا شريك له فكونه موجوداً وكونه مملوكاً شيء واحد بعينه، فكيف يمكن أن ينزع من ملكه تعالى شيء وهو شيء؟. والآية من الكلمات الجامعة التي كلما أمعنت في تدبرها أفادت زيادة لطف في معناها، وسعة عجيبة في تبيانها، فإحاطة ملكه تعالى على الأشياء وآثارها تعطي في الكفر والإيمان والطاعة والمعصية معاني لطيفة، فعليك بزيادة التدبر فيها. قوله تعالى { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } ، ظاهر الخطاب بقرينة ما يذكر فيه من أمر المسيح عليه السلام أنه خطاب للنصارى، وإنما خوطبوا بأهل الكتاب - وهو وصف مشترك - اشعاراً بأن تسميهم بأهل الكتاب يقتضي أن لا يتجاوزوا حدود ما أنزله الله وبيّنه في كتبه، ومما بيّنه أن لا يقولوا عليه إلا الحق.

السابقالتالي
2 3