Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

بيان الآية بمنزلة الفذلكة لتفصيل البيان الوارد في السورة وفيه تخلص منه بأخذ النتيجة وإعطائها. قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا } " الخ " ، الأوامر مطلقة فالصبر يراد به الصبر على الشدائد والصبر في طاعة الله والصبر عن معصيته وعلى أي حال هو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابله. والمصابرة هي التصبر وتحمل الأذى جماعة باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال ويشتد الوصف ويتضاعف تأثيره وهذا أمر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد وفي حال الاجتماع والتعاون بإيصال القوى بعضها ببعض وسنبحث فيه إن شاء الله بحثاً مستوفى في محله. قوله تعالى { ورابطوا } أعم معنى من المصابرة وهي إيجاد الجماعة الارتباط بين قواهم وأفعالهم في جميع شؤون حياتهم الدينية أعم من حال الشدة وحال الرخاء ولما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا والآخرة - وإلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا وليست بحقيقة السعادة - عقب هذه الأوامر بقوله تعالى { واتقوا الله لعلّكم تفلحون } يعني الفلاح التام الحقيقي. كلام في المرابطة في المجتمع الاسلامي 1ـ الانسان والاجتماع كون النوع الإنساني نوعاً اجتماعياً لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث فكل فرد من هذا النوع مفطور على ذلك ولم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التاريخ والآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها ويحكم على هذه الأرض. وقد أنبأ عنه القرآن أحسن إنباء في آيات كثيرة كقوله تعالىيا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا } الحجرات 13 الآية، وقال تعالىنحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً } الزخرف 32، وقال تعالىبعضكم من بعض } آل عمران 195، وقال تعالىوهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً } الفرقان 54 إلى غير ذلك. 2ـ الانسان ونموه في اجتماعه الاجتماع الإنساني كسائر الخواص الروحية الإنسانية وما يرتبط بها لم يوجد حين وجد تاماً كاملاً لا يقبل النماء والزيادة بل هو كسائر الأمور الروحية الإدراكية الإنسانية لم يزل يتكامل بتكامل الإنسان في كمالاته المادية والمعنوية وعلى الحقيقة لم يكن من المتوقع أن يستثنى هذه الخاصة من بين جميع الخواص الإنسانية فتظهر أول ظهورها تامة كاملة أتم ما يكون وأكمله بل هي كسائر الخواص الإنسانية التي لها ارتباط بقوتي العلم والإرادة تدريجية الكمال في الإنسان. والذي يظهر من التأمل في حال هذا النوع أن أول ما ظهر من الاجتماع فيه الاجتماع المنزلي بالازدواج لكون عامله الطبيعي وهو جهاز التناسل أقوى عوامل الاجتماع لعدم تحققه إلا بأزيد من فرد واحد أصلاً بخلاف مثل التغذي وغيره ثم ظهرت منه الخاصة التي سميناها في المباحث المتقدمة من هذا الكتاب بالاستخدام وهو توسيط الإنسان غيره في سبيل رفع حوائجه ببسط سلطته وتحميل إرادته عليه ثم برز ذلك في صورة الرئاسة كرئيس المنزل ورئيس العشيرة ورئيس القبيلة ورئيس الأُمة وبالطبع كان المقدم المتعين من بين العدة أولاً أقواهم وأشجعهم ثم أشجعهم وأكثرهم مالاً وولداً وهكذا حتى ينتهي إلى أعلمهم بفنون الحكومة والسياسة وهذا هو السبب الابتدائي لظهور الوثنية وقيامها على ساقها حتى اليوم وسنستوفي البحث عنها فيما سيأتي إن شاء الله العزيز.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد