Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } * { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } * { ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } * { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ } * { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } * { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ } * { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ } * { فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } * { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } * { وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } * { وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ }

بيان لما ذكر سبحانه فلاح المؤمنين بما عندهم من الأوصاف الجميلة عقبه بشرح خلقهم وخلق ما أنعم عليهم من النعم مقروناً بتدبير أمرهم تدبيراً مخلوطاً بالخلق لينكشف به أنه هو رب للإِنسان ولكل شيء الواجب أن يعبد وحده لا شريك له. قوله تعالى { ولقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين } قال في المجمع السلالة اسم لما يسلّ من الشيء كالكساحة اسم لما يكسح انتهى. وظاهر السياق أن المراد بالإِنسان هو النوع فيشمل آدم ومن دونه ويكون المراد بالخلق الخلق الابتدائي الذي خلق به آدم من الطين ثم جعل النسل من النطفة، وتكون الآية وما بعدها في معنى قولهوبدأ خلق الإِنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } السجدة 7ـ8. ويؤيده قوله بعد { ثم جعلناه نطفة } إذ لو كان المراد بالإِنسان ابن آدم فحسب وكان المراد بخلقه من طين انتهاء النطفة إلى الطين لكان الظاهر أن يقال ثم خلقناه نطفة كما قيل ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة الخ. وبذلك يظهر أن قول بعضهم إن المراد بالإِنسان جنس بني آدم، وكذا القول بأن المراد به آدم عليه السلام غير سديد. وأصل الخلق - كما قيل - التقدير يقال خلقت الثوب إذا قسته لتقطع منه شيئاً من اللباس فالمعنى ولقد قدرنا الإِنسان أولاً من سلالة من أجزاء الأرض المخلوطة بالماء. قوله تعالى { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } النطفة القليل من الماء وربما يطلق على مطلق الماء، والقرار مصدر أُريد به المقر مبالغة والمراد به الرحم التي تستقر فيها النطفة، والمكين المتمكن وصفت به الرحم لتمكنها في حفظ النطفة من الضيعة والفساد أو لكون النطفة مستقرة متمكنة فيها. والمعنى ثم جعلنا الإِنسان نطفة في مستقر متمكن هي الرحم كما خلقناه أولاً من سلالة من طين أي بدلنا طريق خلقه من هذا إلى ذاك. قوله تعالى { ثم خلقنا النطفة علقة } إلى قوله { فكسونا العظام لحماً } تقدم بيان مفردات الآية في الآية 5 من سورة الحج في الجزء السابق من الكتاب وفي قوله { فكسونا العظام لحماً } استعارة بالكناية لطيفة. قوله تعالى { ثم أنشأناه خلقاً آخر } الإِنشاء - كما ذكره الراغب - إيجاد الشيء وتربيته كما أن النشء والنشأة إحداثه وتربيته كما يقال للشاب الحديث السن ناشئ. وقد غير السياق من الخلق إلى الإِنشاء فقال { ثم أنشأناه خلقاً آخر } دون أن يُقال ثم خلقناه الخ، للدلالة على حدوث أمر حديث ما كان يتضمنه ولا يقارنه ما تقدمه من مادة فإن العلقة مثلاً وإن خالفت النطفة في أوصافها وخواصها من لون وطعم وغير ذلك إلا أن في النطفة مكان كل من هذه الأوصاف والخواص ما يجانسه وإن لم يماثله كالبياض مكان الحمرة وهما جميعاً لون بخلاف ما أنشأه الله أخيراً وهو الإِنسان الذي له حياة وعلم وقدرة فإن ما له من جوهر الذات وهو الذي نحكي عنه بأنا لم يسبق من سنخه في المراحل السابقة أعني النطفة والعلقة والمضغة والعظام المكسوة لحماً شيء، ولا سبق فيها شيء يناظر ما له من الخواص والأوصاف كالحياة والقدرة والعلم فهو منشأ حادث مسبوق بالعدم.

السابقالتالي
2 3