Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }

بيان قوله تعالى { إن الله لا يستحيي أن يضرب } ، البعوضة الحيوان المعروف وهو من أصغر الحيوانات المحسوسة، وهذه الآية والتي بعدها نظيرة ما في سورة الرعدأفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربّك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } الرعد 19-21. وكيف كان فالآية تشهد على أن من الضلال والعمى ما يلحق الإِنسان عقيب أعماله السيئة غير الضلال والعمى الذي له في نفسه ومن نفسه حيث يقول تعالى { وما يضل به إلاَّ الفاسقين } ، فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدماً عليه هذا. ثم إن الهداية والإِضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة والخذلان التي ترد منه تعالى على عباده السعداء والأشقياء، فإن الله تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عباده بأنه يحييهم حياة طيبة، ويؤيدهم بروح الإِيمان، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويجعل لهم نوراً يمشون به، وهو وليّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه، والملائكة تنزّل عليهم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك. ووصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات ويختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ويطمس وجوههم على أدبارهم ويجعل في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، ويجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فيغشيهم فهم لا يبصرون، ويُقيّض لهم شياطين قرناء يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون، ويزيّنون لهم أعمالهم، وهم أولياؤهم، ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون، ويملي لهم أن كيده متين، ويمكر بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون. فهذه نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين، وظاهرها أن للإِنسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش بها فيها حياة أُخرى سعيدة أو شقية ذات أُصول وأعراق يعيش بها فيها، وسيطلع ويقف عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحجاب، ويظهر من كلامه تعالى أيضاً أن للإِنسان حياة أُخرى سابقة على حياته الدنيا يحذوها فيها كما يحذو حذو حياته الدنيا فيما يتلوها. وبعبارة أُخرى أن للإِنسان حياة قبل هذه الحياة الدنيا وحياة بعدها، والحياة الثالثة تتبع حكم الثانية والثانية حكم الأولى، فالإِنسان في الدنيا واقع بين حياتين سابقة ولاحقة، فهذا هو الذي يقضي به ظاهر القرآن. لكنّ الجمهور من المفسرين حملوا القسم الأول من الآيات وهي الواصفة للحياة السابقة على ضرب من لسان الحال واقتضاء الاستعداد، والقسم الثاني منها وهي الواصفة للحياة اللاحقة على ضروب المجاز والاستعارة هذا، إلاَّ أن ظواهر كثير من الآيات يدفع ذلك. أما القسم الأول وهي آيات الذر والميثاق فستأتي في مواردها، وأما القسم الثاني فكثير من الآيات دالّة على أن الجزاء يوم الجزاء بنفس الأعمال وعينها كقوله تعالى

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد