Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } * { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } * { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }

بيان قوله تعالى { ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاَّ من سفه نفسه } ، الرغبة إذا عدّيت بعن أفادت معنى الإِعراض والنفرة، وإذا عديت بفي أفادت معنى الشوق والميل، وسفه يأتي متعدياً ولازماً، ولذلك ذكر بعضهم أن قوله نفسه مفعول لقوله سفه، وذكر آخرون أنه تمييز لا مفعول، والمعنى على أي حال أن الإِعراض عن ملة إبراهيم من حماقة النفس، وعدم تمييزها ما ينفعها مما يضرها ومن هذه الآية يستفاد معنى ما ورد في الحديث أن العقل ما عبد به الرَّحمن. قوله تعالى { ولقد اصطفيناه في الدنيا } ، الاصطفاء أخذ صفوة الشيء وتمييزه عن غيره إذا اختلطا، وينطبق هذا المعنى بالنظر إلى مقامات الولاية على خلوص العبودية، وهو أن يجري العبد في جميع شؤونه على ما يقتضيه مملوكيته وعبوديته من التسليم الصرف لربه، وهو التحقق بالدين في جميع الشؤون، فإن الدين لا يشتمل إلاَّ على مواد العبودية في أمور الدنيا والآخرة وتسليم ما يرضيه الله لعبده في جميع أموره كما قال الله تعالىإن الدين عند الله الإِسلام } آل عمران 19، فظهر أن مقام الاصطفاء هو مقام الإِسلام بعينه ويشهد بذلك قوله تعالى { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } الآية، فإن الظاهر أن الظرف متعلق بقوله اصطفيناه، فيكون المعنى أن اصطفائه إنما كان حين قال له ربه أسلم، فأسلم لله رب العالمين فقوله تعالى { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ، بمنزله التفسير لقوله اصطفيناه. وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله { إذ قال له ربه أسلم } ، ولم يقل إذ قلنا له أسلم، والتفات آخر من الخطاب إلى الغيبة في المحكي من قول إبراهيم { قال أسلمت لرب العالمين } ، ولم يقل قال أسلمت لك. أما الأول، فالنكتة فيه الإِشارة إلى أنه كان سراً استسر به ربه إذ أسره إليه فيما خلى به معه فإن للسامع المخاطب اتصالاً بالمتكلم فإذا غاب المتكلم عن صفة حضوره انقطع المخاطب عن مقامه وكان بينه وبين ما للمتكلم من الشأن والقصة ستر مضروب، فأفاد أن القصة من مسامرات الانس وخصائص الخلوة. وأما الثاني فلأن قوله تعالى { إذ قال له ربه } ، يفيد معنى الاختصاص باللطف والاسترسال في المسارة لكن أدب الحضور كان يقتضي من إبراهيم وهو عبد عليه طابع الذلة والتواضع أن لا يسترسل، ولا يعد نفسه مختصاً بكرامة القرب متشرفاً بحظيرة الإِنس، بل يراها واحداً من العبيد الأذلاء المربوبين، فيسلم لرب يستكين إليه جميع العالمين فيقول أسلمت لرب العالمين. والإِسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد، من السلم، وأحد الشيئين إذا كان بالنسبة إلى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلم واستسلم له، قال تعالى

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7