Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً } * { ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } * { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً } * { ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } * { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً }

بيان الآيات الست في منزلة الاستنتاج مما تقدم من آيات السورة الشارحه لافتتان المشركين بزينة الحياة الدنيا واطمئنانهم بأولياء من دون الله وابتلائهم بما ابتلوا به من غشاوة الأبصار ووقر الآذان وما يتعقب ذلك من سوء العاقبة، وتمهيد لما سيأتي من قوله في آخر السورة { قل إنما أنا بشر مثلكم } الآية. قوله تعالى { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً } ظاهر السياق أن الخطاب للمشركين وهو مسوق سوق الكناية وهم المعنيون بالتوصيف وسيقترب من التصريح في قوله { أُولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه } فالمنكرون للنبوة والمعاد هم المشركون. قيل ولم يقل بالأخسرين عملاً، مع أن الأصل في التمييز أن يأتي مفرداً والمصدر شامل للقليل والكثير للإِيذان بتنوع أعمالهم وقصد شمول الخسران لجميعها. قوله تعالى { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً } إنباء بالأخسرين أعمالاً وهم الذين عرض في الآية السابقة على المشركين أن ينبئهم بهم ويعرفهم إياهم فعرفهم بأنهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وضلال السعي خسران ثم عقبه بقوله { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً } وبذلك تم كونهم أخسرين. بيان ذلك أن الخسران والخسار في المكاسب والمساعي المأخوذة لغاية الاسترباح إنما يتحقق إذا لم يصب الكسب والسعي غرضه وانتهى إلى نقص في رأس المال أو ضيعة السعي وهو المعبر عنه في الآية بضلال السعي كأنه ضل الطريق فانتهى به السير إلى خلاف غرضه. والإِنسان ربما يخسر في كسبه وسعيه لعدم تدرب في العمل أو جهل بالطريق أو لعوامل أُخر اتفاقيه وهي خسران يرجى زواله فإن من المرجو أن يتنبه به صاحبه ثم يستأنف العمل فيتدارك ما ضاع منه ويقضي ما فات، وربما يخسر وهو يذعن بأنه يربح، ويتضرر وهو يعتقد أن ينتفع لا يرى غير ذلك وهو أشد الخسران لا رجاء لزواله. ثم الإِنسان في حياته الدنيا لا شأن له إلا السعي لسعادته ولا همّ له فيما وراء ذلك فإن ركب طريق الحق وأصاب الغرض وهو حق السعادة فهو، وإن أخطأ الطريق وهو لا يعلم بخطإه فهو خاسر سعياً لكنه مرجو النجاة، وإن أخطأ الطريق وأصاب غير الحق وسكن إليه فصار كلما لاح له لائح من الحق ضربت عليه نفسه بحجاب الإعراض وزينت له ما هو فيه من الاستكبار وعصبية الجاهلية فهو أخسر عملاً وأخيب سعياً لأنه خسران لا يرجى زواله ولا مطمع في أن يتبدل يوماً سعادة وهو قوله تعالى في تفسير الأخسرين أعمالاً { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً }. وحسبانهم عملهم حسناً مع ظهور الحق وتبين بطلان أعمالهم لهم إنما هو من جهة انجذاب نفوسهم إلى زينات الدنيا وزخارفها وانغمارهم في الشهوات فيحبسهم ذلك عن الميل إلى اتباع الحق والإِصغاء إلى داعي الحق ومنادي الفطرة قال تعالى

السابقالتالي
2 3