Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق


{ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ } * { لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } * { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } * { ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ } * { وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } * { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } * { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ } * { سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } * { وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ } * { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ }

بيان لما أتم الحجة على المشركين في ذيل الآيات السابقة ثم أبان لهم الفرق الجلي بين الحق والباطل والفرق بين من يأخذ بهذا أو يتعاطى ذاك بقوله { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور } ، أخذ في البيان التفصيلي للفرق بين الطريقين طريق الحق الذي هو الإِيمان بالله والعمل الصالح وطريق الباطل الذي هو الشرك والعمل السيئ وأهلهما الذين هم المؤمنون والمشركون، وأن للأولين السلام وعاقبة الدار وللآخرين اللعنة ولهم سوء الدار والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وبدء سبحانه الكلام في ذلك كله بمثل يبين به حال الحق والباطل وأثر كل منهما الخاص به ثم بنى الكلام على ذلك في وصف حال الطريقين والفريقين. قوله تعالى { أنزل من السماء ماء } إلى آخر الآية قال في مجمع البيان الوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر، ومنه اشتقاق الدية لأنه جمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتيل، والقدر اقتران الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان والوزن يزيد وينقص فإذا كان مساوياً فهو القدر، وقرأ الحسن بقدرها بسكون الدال، وهما لغتان يقال أعطى قدر شبر وقدر شبر، والمصدر بالتخفيف لا غير. قال والاحتمال رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له، ويقال علا صوته على فلان فاحتمله ولم يغضبه، والزبد وضر الغليان وهو خبث الغليان ومنه زبد القدر وزبد السيل. والجفاء ممدود مثل الغثاء وأصله الهمز يقال جفأ الوادي جفاء قال أبو زيد يقال جفأت الرجل إذا صرعته وأجفأت القدر بزبدها إذا ألقيت زبدها عنها، قال الفراء كل شيء ينضم بعضه إلى بعض فإنه يجيء على فعال مثل الحطام القماش والغثاء والجفاء. والإِيقاد إلقاء الحطب في النار استوقدت النار، واتقدت وتوقدت، والمتاع ما تمتعت به، والمكث السكون في المكان على مرور الزمان يقال مكث ومكث - بفتح الكاف وضمها - وتمكث أي تلبث. انتهى. وقال الراغب الباطل نقيض الحق وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه قال تعالى { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما تدعون من دونه الباطل } وقد يقال ذلك في الاعتبار إلى المقال والفعال يقال بطل بطولاً وبطلاً وبطلاناً وأبطله غيره قال عز وجل { وبطل ما كانوا يعملون } وقال { لم تلبسون الحق بالباطل }. انتهى موضع الحاجة. فبطلان الشيء هو أن يقدر للشيء نوع من الوجود ثم إذا طبق على الخارج لم يثبت على ما قدر ولم يطابقه الخارج والحق بخلافه فالحق والباطل يتصف بهما أولاً الاعتقاد ثم غيره بعناية ما. فالقول نحو السماء فوقنا والأرض تحتنا يكون حقاً لمطابقة الواقع إياه إذا فحص عنه وطبق عليه، ولقولنا السماء تحتنا والأرض فوقنا كان باطلاً لعدم ثباته في الواقع على ما قدر له من الثبات، والفعل يكون حقاً إذا وقع على ما قدر له من الغاية أو الأمر كالأكل للشبع والسعي للرزق وشرب الدواء للصحة مثلاً إذا أثر أثره وبلغ غرضه، ويكون باطلاً إذا لم يقع على ما قدر عليه من الغاية أو الأمر، والشيء الموجود في الخارج حق من جهة أنه موجود كما اعتقد كوجود الحق تعالى، والشيء غير الموجود وقد اعتقد له الوجود باطل وكذا لو كان موجوداً لكن قدر له من خواص الوجود ما ليس له كتقدير الاستقلال والبقاء للموجود الممكن فالموجود الممكن باطل من جهة عدم الاستقلال أو البقاء المقدر له وإن كان حقاً من جهة أصل الوجود قال

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد