Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة/ الجنابذي (ت القرن 14 هـ) مصنف و مدقق


{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ } * { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } * { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }

{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله } استيناف لردّ مفاخرة المشركين بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ وحجابة البيت وفكّ العناة كما فسّر فى الاخبار، وفيه ايضاً ردع للمؤمنين عمّا يتخاطروا به من عدم جواز مقاتلة المشركين مع كونهم مباشرين لتلك الاعمال السّنيّة والمناصب الشّريفة، والمقصود انّه ليس الاعتبار بمشاكلة صورة اعمال الابرار وان صدرت من الاشرار بل الاعتبار بمصدر الاعمال فتعميرهم فى الحقيقة تخريب لمسجد القلب حيث يراؤن ويفتخرون به، وسقايتهم صدّ متعطّشى مملكتهم عن ماء الحيوة حيث يعجبون به، وحجابتهم حجابة الشّيطان لبيته الّذى هو بيت النّفس، وفكّ العناة اسر لاحرار قواهم وصدّ لهم عن الرّجوع الى مولاهم، { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ } يعنى بالايمان بالله ومساجد الله هى الصّدور المنشرحة بالاسلام والقلوب المستنيرة بنور الايمان وعمارتها بالاسلام والايمان؛ ولذا قال اشارةً الى هذا البيان { شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } حالاً حيث يعملون اعمال الكفر وقالاً حيث يقولون ما يلزم الكفر من عدم الاعتقاد بالبعث والحساب وبارسال الرّسول وانزال الكتاب وغير ذلك ممّا يستلزم الكفر وعدم المعرفة بالله { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } فلا يباهوا بصور اعمالهم ولا تنظروا ايّها المؤمنون الى صورها لانّها ساقطة بل هى كالاجساد الميتة الّتى توذى حاملها { وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ } لاغيرهم فهو تأكيد للنّفى السّابق بمفهومه ولمّا كان عمارة المساجد الصّوريّة مع الاتّصاف بالشّرك تخريباً للمساجد الحقيقيّة الّتى هى القلوب واربابها وكان حكم التّخريب غالباً وحكم العبارة مغلوباً كأنّها لم تكن، وكان الايمان بالله واليوم الآخر الّذى هو كمال القوّة النّظريّة فى اعتقاد المبدء والمعاد وقد اندرج فيه جميع المعارف الرّاجعة الى المبدء والمعاد واقام الصّلاة وايتاء الزّكاة اللّذان هما كمال القوّة العملّية، وهما اصلان لجميع النّسك والعبادات عمارةً للمسجد الحقيقىّ الّذى هو القلب وصاحبه وصار حكمها غالباً بحيث تنسب الى المساجد الصّوريّة وان لم تكن فيها عمارة قال بطريق الحصر: انّما يعمر مساجد الله آتياً بالجمع المضاف المفيد للعموم وبمن الموصولة المفيدة للعموم، مع انّ اكثر المؤمنين لم يعمروا مسجداً قطّ ولو صحّح بتضمين يعمر معنىً يصحّ فالتّأدية بهذه الصّورة للاشارة الى هذا المعنى { وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ } تعريض بالضّعفاء من المؤمنين { فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ } اى كمعمل من آمن او هو بتقدير مضاف فى جانب المسند اليه وهو خطاب للمشركين او للمؤمنين او للجميع { بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } وهو كمال العلم { وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهو اجمال الصّلاة والزّكاة اللّتين هما كمال العمل، والتّكرار باعتبار مطلوبيّته فى مقام الّذمّ والمدح { لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ } بحسب العلم والعمل اى الحال الّتى هم عليه { وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } فلا يستوون بحسب الغاية ايضاً لانّ الله يهدى المؤمين، ووضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بذمٍّ لهم وبعلّة عدم هدايتهم.