Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة/ الجنابذي (ت القرن 14 هـ) مصنف و مدقق


{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } * { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }

{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ } عطف على انّ الّذين يتلون كتاب الله باعتبار عقد الوضع او على الّذى اوحينا اليك من الكتاب باعتبار عقد الوضع ايضاً، والمراد بالكتاب هو احكام الرّسالة والنّبوّة والقرآن صورتها، وايراثها عبارة عن قبولهم تلك الاحكام بالبيعة العامّة الصّحيحة الاسلاميّة، او قبولهم تلك بالبيعة الخاصّة الايمانيّة { ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } بقبولنا لهم اى بقبول خليفتنا لهم بالبيعة { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } بوقوفه فى مربض بهيميّته وسبعيّته وشيطنته من غير خروجه الى انسانيّته { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وهو الّذى خرج الى انسانيّته ولم يبلغ الانتهاء فى ذلك ولم يرجع لتكميل غيره { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ } لكلّ من سواه { بِٱلْخَيْرَاتِ } جميعاً { بِإِذُنِ ٱللَّهِ } او بجنس الخيرات وهو الّذى بلغ منتهى ما ينبغى ان يبلغ بحسب شأنه واستعداده ثمّ رجع لتكميل غيره فانّه سبق غيره بجملة الخيرات او ببعضها.

وهذه الآية بهذا التّفسير تشمل كلّ من باع البيعة العامّة الاسلاميّة الصّحيحة لا البيعة الفاسدة كالّذين باعوا مع خلفاء الجور سواء باع البيعة الخاصّة الايمانيّة ام لا، وسواء ترقّى عن مقامه الّذى كان فيه قبل البيعة او لم يترقّ، او لا تشمل الاّ الّذى باع البيعة الايمانيّة فانّ المسلم وان كان له نسبة البنوّة الى من باع معه البيعة الاسلاميّة، ونسبة الاخوّة الى من باع تلك البيعة لكنّها لغاية خفائها كأنّها لم تكن ولذلك كانت تلك النّسبة لم يبلغ سلطانها الى الآخرة ولا يحصل منها الاّ حفظ الدّم والمال والعرض وجريان المناكح والمواريث، والاجر لا يكون الاّ على الايمان، فالوارث من النّبىّ او خليفته ليس الاّ من باع معه البيعة الايمانيّة وبتلك البيعة يتحقّق نسبة الابوّة والبُنوّة بينهما، ونسبة الاخوّة بينه وبين سائر المؤمنين ويكون سلطانها باقياً الى الآخرة، هذا بحسب ظاهر الآية فانّ الدّاخلين فى الاسلام والدّاخلين فى الايمان بقدر قوّة نسبتهم وضعفها الى الرّسول (ص) وارثون منه كتاب الرّسالة ووارثون منه كتاب القرآن لكن ورد أخبار كثيرةٌ جدّاً فى تخصيص الوارثين والمصطفين باولاد فاطمة (ع)، وانّ الآية نزلت فى الفاطميّين وانّهم مغفور لهم على ظلمهم، وانّه لا يدخل فيهم من اشار بسيفه ودعا النّاس الى ضلال، وفى بعض الاخبار انّها لآل محمّد (ص) خاصّةً ولعلّ التّخصيص بالفاطميين او بآل محمّد (ص) للاشارة الى شمول الآية للبائعين البيعة الخاصّة الايمانيّة دون البائعين البيعة العامّة فانّه ورد عنهم (ع) انّ شيعتنا الفاطميّون والعلويّون والهاشميّون، ولو خصّصت الآية باولاد فاطمة (ع) اولادها الجسمانيّين كما فى بعض الاخبار من التّلويح اليه لما كان بعيداً فانّهم الوارثون حقيقةً والمصطفون واقعاً، وغيرهم من شيعتهم وارثون بايراثهم ومصطفون باصطفائهم وتبعيّتهم، وورد انّ الظّالم لنفسه الّذى لا يقرّ بالامام، والمقتصد العارف بالامام، والسّابق بالخيرات الامام، وفى بعض الاخبار فسّر الظّالم بمن لا يعرف حقّ الامام، وعن الصّادق (ع): الظّالم يحوم حول نفسه، والمقتصد يحوم حول قلبه، والسّابق يحوم حول ربّه، وبهذه المضامين اخبار كثيرة، ويستفاد من جملتها انّ ذرّيّة فاطمة (ع) الجسمانيّين ان لم يعرفوا امامهم ولم يبايعوا معه كانوا مغفوراً لهم، والبائعين مع الامام البيعة الخاصّة ان لم يخرجوا من حدود انفسهم ووقفوا فى مهاوى انفسهم مغفور لهم بمحض حصول النّسبة الايمانيّة من غير الوصول الى دار الايمان، لكن: اقول لكم اخوانى: لا تغترّوا بامثال ذلك حتّى لا تجتهدوا فى الخروج من مهاوى انفسكم وتقفوا على ملذّات البهيميّة ولا تعرفوا من الفقر الاّ الحلق والدّلق لانّكم لو ابقيتم النّسبة الى الموت كان ذلك لكم بل لكم المغفرة بل التّرقّى الى الدّرجات العالية ولو جئتم بسيّئات الجنّ والانس، لكن ابقاء تلك النّسبة مع عدم المبالاة بحفظها وعدم الاجتهاد فى الخروج عن مقام البهيميّة فى غاية الاشكال ولو قطعت تلك النّسبة العياذ بالله لكان عذاب المنقطع النّسبة عذاباً لا يعذّب الله احداً بذلك العذاب، فكونوا على حذرٍ من قطعها، حفظنى الله وايّاكم ووفّقنى وايّاكم { ذَلِكَ } الاصطفاء والايراث او السّبق بالخيرات { هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } قرئ برفع جنّات عدنٍ مبتدء وخبرٌ، او قرئ بنصبها منصوباً على شريطة التّفسير، او بدلاً من الكتاب بدل الاشتمال، وعلى الوجهين تكون الجملة جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ، وقرئ يدخلونها مبنيّاً للمفعول { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } قرئ بالجرّ والنّصب { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } لائق بالجنّة لا من جنس حرير الدّنيا.