Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة/ الجنابذي (ت القرن 14 هـ) مصنف و مدقق


{ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ }

{ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ } اى صيّرنا النّطفة { عَلَقَةً } او خلقنا من النّطفة علقةً { فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } اتى بثمّ فى الفقرة الاولى للاشارة الى امتداد الزّمان من اوّل استقرار النّطفة فى الرّحم الى صيرورتها دماً منعقداً بخلاف صيرورة العلقة مضغةً فانّه لا تراخى بين العلقة والمضغة { فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً } يعنى صيّرنا وصوّرنا اوّلاً صورة العظام فانّه ما لم يتميّز العظام فى بدن الجنين لا يتصوّر تصوير اللّحوم فانّ اللّحوم فى كلّ موضع بنحوٍ مخصوصٍ وليس تميّزها وخصوصيّاتها الاّ بتميّز محالّها الّتى هى العظام وخصوصيّاتها { فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ } اتى بثمّ للاشعار بتراخى مرتبة الانشاء عن الخلق فانّ الخلق يستعمل فى المكوّنات المادّيّات، والانشاء فى المجرّدات، وقد يخصّ الخلق بما يحتاج الى مادّة ومدّة كالمواليد، والاختراع بما يحتاج الى المادّة دون المدّة كالسّماوات والعناصر، والانشاء بالمتقدّرات المجرّدة عن المادّة والمدّة، والابداع بالمجرّدات عن الكلّ وبكلا المعنيين يكون الانشاء اعلى درجةً من الخلق، وللاشارة الى انّ انشاء نفس الانسان ليس كصيرورة العلقة مضغةً بلا فرجة بل لا يكون انشاء نفس الانسان ممتازة عن بدنه الاّ آخر ايّام الحمل او اوّل ايّام الوضع فيكون بين كسوة العظام لحماً وبين انشائه نفساً تراخ { فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ } بمعنى تنزّه وتقدّس وهذه كلمة خاصّة بالله بهذا المعنى يقال فى مقام التّعجّب من الشّىء وتعظيمه وان كان اصله من البركة بمعنى النّماء والزّيادة فى الخيرات، عقّب الانشاء بهذه الكلمة للاشارة الى انّ انشاء نفس الانسان امر عظيم ينبغى ان يتعجّب منه وينزّه منشئه عن وصمة النّقص، والتفت من التّكلّم الى الغيبة ولم يقل تباركنا لانّ هذه الكلمة صارت كالامثال فى مخاطباتهم ولا تتغيّر { أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } يعنى انّ الخالقيّة الحقيقيّة ان كانت منحصرة فى الله فوسائطه لخلقه من الملائكة والقوى والصّنّاع كثيرة والله تعالى احسن الكلّ لعدم احتياجه فى خلقه الى شيءٍ من مثالٍ سابقٍ ومادّةٍ ومددٍ وآلةٍ وقوىً وجوارح واعضاء.