Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة/ الجنابذي (ت القرن 14 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

{ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ } لم يقل هم الوارثون للفردوس لايهام انّهم هم الوارثون لجميع ما يمكن ان يورّث ليكون ابلغ فى مدحهم، والفردوس يطلق على الاودية الّتى تنبت ضروباً من النّبت، والبستان الّذى يكون فيه جميع ما يكون فى البساتين، وعلى طبقات الجنان، وعلى الطّبقة العليا منها ويؤنّث ويذكّر وهو عربىّ او رومىّ او سريانىّ معرّب { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } اتى به اشارةً الى تمام النّعمة فانّ تمامها بعدم زوالها.

اعلم، انّ الانسان من بدو خلقته الّتى هى خلقة نطفته واولى مادّته وقرارها فى قرارٍ مكينٍ يكون بالقوّة فى جميع ما يمكن ان يحصل للانسان وكلّ آنٍ يحصل له فعليّة من فعليّات الانسانيّة الّتى هى فعليّات الولاية، وكلّ فعليّة تحصل له تكون مرتبة من الولاية التّكوينيّة الّتى هى سارية فى جميع الموجودات وبكلّ بعدٍ من مرتبة المادّة وقربٍ من الولاية يحصل له فعليّة من فعليّات الولاية ويخلع عنه نقص وعدم من اعدام المادّة، وحصول كلّ فعليّة له نحو وراثة من ابيه الّذى هو الولاية المطلقة الّتى هى المشيّة وهذا الخلع وتلك الوراثة مستمرّان له الى اوان المراهقة وزمان البلوغ وتميز الخير والشّرّ الانسانيّين، فاذا وصل الى ذلك وقع بين تصرّف الملك والشّيطان وبين النّسبة الى الرّحمن والنّسبة الى الشّيطان بالقوّة فاذا تصرّف فيه الشّيطان صار نسبته اليه بالفعل وكلّما حصل له فعليّة من تصرّف الشّيطان صار تلك الفعليّة ارثاً له من الشّيطان، وكلّما زاد تصرّف الشّيطان واشتّد بحسبها الفعليّات الحاصلة له من الشّيطان حتّى اذا حصل له جميع الفعليّات المناسبة لدركات النّيران وتمكّن فى اتّباع الشّيطان فيصير وارثاً لجميع مال الشّيطان وجميع مراتبه بحيث يصير الشّيطان من اجزائه واظلاله، واذا تصرّف فيه الرّحمن صار نسبته اليه بالفعل وكلّما حصل له فعليّة من تصرّف الرّحمن صار تلك الفعليّة ارثاً له من الرّحمن، لكن لمّا كان الشّيطان اقرب اليه حين البلوغ من الرّحمن جعل الله وسائط بينه وبين خلقه من الانبياء والاوصياء (ع) حتّى يكونوا بظاهر بشريّتهم موافقين للعباد ويكون العباد مدركين لهم بمداركهم الحيوانيّة حتّى يأنسوا بهم ويتوسّلوا الى الله بالتّوسّل بهم ويكون الرّسل (ع) وخلفاؤهم معاونين لهم فى قبول تصرّف الرّحمن، فمن توسّل بهم بالبيعة العامّة او البيعة الخاصّة تعرّض لتصرّف الرّحمن وحصّل النّسبة بينه وبين الرّحمن وبتلك النّسبة يصير ابناً لمن بايع معه البيعة العامّة او الخاصّة وكلّما حصل له من جهة تلك النّسبة من الفعليّات كان فعليّة الولاية والرّحمن وكان ارثاً له من صاحب الولاية المطلقة حتّى حصل له جميع فعليّات الولاية المطلقة من طبقات الجنان، والفرق بين هذا الارث والارث الدّنيوىّ الصّورىّ انّ الارث الصّورىّ لا يحصل للانسان ما دام المورّث لم يرفع يده بالموت عن المال الموروث وعن الوارث، وما لم ينقطع النّسبة بينه وبين الوارث، وانّ الارث المعنوىّ لا يحصل للانسان ما لم يشتدّ النّسبة بينه وبين الوارث وما لم يضع المورّث يده على الوارث وبحسب اشتداد النّسبة وقوّة وضع اليد يكون زيادة الارث وكثرة المال الموروث وهذا الارث موجب لسعة المورّث وكثرة ماله بخلاف الارث الصّورىّ، ولمّا كان لكلّ انسانٍ قوّة فعليّة الجحيم والجنان وكان دركات الجحيم ودرجات الجنان الّتى كان للانسان قوّة الوصول اليها بمنزلة ماله المملوك بالقوّة، واذا وصل الى احديهما ترك الاخرى ترك الميّت ماله لوارثه، ورد انّ منازل اهل الجنان فى الجحيم يرثها اهل الجحيم ومنازل اهل الجحيم فى الجنان يرثها اهل الجنان يعنى يرث كلّ من المتناسبين منازل الآخر وبهذا التّناسب يصحّ اطلاق التّوارث فعلى ما ذكر كان معنى الآية الّذين يرثون الفردوس من صاحب الولاية المطلقة او من متناسبيهم من اهل الجحيم.