Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الصافي في تفسير كلام الله الوافي/ الفيض الكاشاني (ت 1090 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } * { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } * { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } * { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ } * { فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ }

{ (81) وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ } فإن الإِيمان يمنع من ذلك { وَلكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } خارجون عن دينهم.

{ (82) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ } لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وركونهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم إياهم { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى } للين جانبهم ورقة قلوبهم وقلة حرصهم على الدنيا وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل { ذّلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسينَ } رؤساء في الدين والعلم { وَرُهْبَاناً } عباداً { وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن قبول الحق إذا فهمُوه ويتواضعون.

{ (83) وَإذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُون رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } من الذين شهدوا بأنه حق.

{ (84) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } استفهام انكار واستبعاد لإِنتفاء الإِيمان مع قيام الداعي وهو الطمع في الإِنخراط مع الصالحين والدخول مداخلهم.

{ (85) فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ } عن اعتقاد واخلاص كما دل عليه قوله مما عرفوا من الحق والقول إذا اقترن بالمعرفة كمل الإِيمان { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } أبدا { وَذلِكَ جزآءُ الْمُحْسِنِينَ }.

العياشي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى ذلك بانَّ منهم قسّيسين ورهباناً قال أولئِكَ كانوا بين عيسى ومحمّد عليهما السلام ينتظرون مجيء محمد صلىّ الله عليه وآله وسلم القمي " كان سبب نزولها أنه لما اشتدت قريش في أذى رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين آمنُوا بمكّة قبل الهجرة أمرهم رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم أن يخرجوا الى الحبشة وأمر جعفر بن أبي طالب أن يخرج معهم فخرج جعفر ومعه سبعون رجلاً من المسلمين حتى ركبوا البحر فلما بلغ قريشاً خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد الى النجاشي ليردهم اليهم وكان عمرو وعمارة متعاديين فقالت قريش كيف نبعث رجلين متعاديين فبرأت بنو مخزوم من جناية عمارة وبرأت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص فخرج عمارة وكان حسن الوجه شاباً مترفا فأخرج عمرو بن العاص أهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص قل لأهلك تقبلني فقال عمرو أيجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشى عمرو وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة والقاه في البحر فتشبث عمرو بصدر السفينة وأدركوه وأخرجوه فوردوا على النجاشي وقد كانوا حملوا اليه هدايا فقبلها منهم فقال عمرو بن العاص أيهّا الملك إن قوماً خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا وصاروا إليك فردّهم إلينا فبعث النجاشي إلى جعفر فجاءه فقال يا جعفر ما يقول هؤلاء فقال جعفر أيّها الملك وما يقولون قال يسألون أن أردّكم إليهم.

قال أيهّا الملك سلهم أعبيد نحن لهم؟ فقال عمرو لا بل أحرار أكرام.

قال فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟ فقال لا ما لنا عليكم ديون.

قال فلكم في أعناقنا دماء تطالبونها؟ فقال عمرو: لا قال: فما تريدون منا؟ أذيتمونا فخرجنا من بلادكم؟

فقال عمرو بن العاص: أيّها الملك خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا وأفسدُوا شبابنا وفرقوا جماعتنا فردّهم الينا لنجمع أمرنا فقال جعفر نعم أيها الملك خالفناهم بعث الله فينا نبيّاً أمر بخلع الأنداد وترك الإستقسام بالأزلام وأمرنا بالصلاة والزّكاة وحرم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حقها والزّناءِ والرّباءِ والميتة والدم ولحم الخنزير وأمرنا بالعدل والإِحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي فقال النجاشي بهذا بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام ثم قال النجاشي يا جعفر هل تحفظ مما أنزل الله على نبيّك شيئاً قال نعم فقرء عليه سورة مريم عليها السلام فلما بلغ قوله { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً } [مريم: 25]. فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاءً شديداً وقال: هذا والله هُو الحق فقال عمرو بن العاص أيها الملك إنّ هذا مخالف لنا فردّه الينا فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ثم قال اسكت والله لأن ذكرته بسُوءِ لأفقدنّك نفسك فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول إن كان هذا كما تقول أيهّا الملك فانّا لا نتعرّض له وكانت على رأس النجاشي وصيفةً له تذب عنه فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتًى جميلاً فأحبّته فلما رجع عمرو بن العاص الى منزله قال لعمارة لو راسلت جارية الملك فراسلها فأجابته فقال عمرو قل لها تبعث اليك من طيب الملك شيئاً فقال لها فبعثت اليه فأخذ عمرو من ذلك الطّيب وكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين ألقاه في البحر فأدخل الطّيب على النجاشي فقال: أيها الملك إن حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يلزمنا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه ان لا نغشه ولا نريبه وان صاحبي هذا الذي معي قد راسلَ حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك ثم وضع الطّيب بين يديه فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة ثم قال لا يجوز قتله فانهم دخلوا في بلادي بأمان فدعا النجاشي السٍحرة فقال لهم اعملوا به شيئاً أشدّ به من القتل فأخذوه ونفخوا في أحليله الزيبق فصار مع الوحش يغدو ويروح وكان لا يأنس بالناس.

فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فأخذوه فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات ورجع عمرو الى قريش فأخبرهم أن جعفراً في في أرض الحبشة في أكرم كرامة ولم يزل بها حتى هادن رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم قريشاً وصالحهم وفتح خيبر فوافى بجميع من معه وولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر وولد للنجاشي ابن فسماه النجاشي محمداً وكانت أم حبيب بنت أبي سفيان تحب عبدالله فكتب رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم الى النجاشي يخطب أم حبيب فبعث إليها النجاشي فخطبها لرسُول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم فأجابته فخطبها فزوّجها منه وأصدقها أربعمأة دينار وساقها عن رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم وبعث إليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم وبعث اليه بمارية القبطية أمّ ابراهيم وبعث اليه بثياب وطيب وفرس وبعث ثلاثين رجلاً من القسيسين فقال لهم انظروا الى كلامه والى مقعده ومشربه ومصلاه فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم إلى الإِسلام وقرء عليهمُ القرآن وإذ قال اللّهُ يا عيسى بن مريم اذكر نِعمتي التي أنعمت عَلَيْكَ وعلى والدتك الى قوله فقال الذين كفروا إن هذا إلاّ سِحر مبين فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم بكوا وآمنوا ورجعُوا الى النجاشي وأخبروه خبر رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم وقرؤا عليه ما قرأ عليهم فبكى النجاشي وبكى القسّيسون وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة اسلامه وخافهم على نفسه وخرج من بلاد الحبشة يريدُ النّبي صلىّ الله عليه وآله وسلم فلّما عبر البحر توفى فأنزل الله على رسوله { لتجدنّ أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود } إلى قوله { وَذَلكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِين } ".