Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير صدر المتألهين/ صدر المتألهين الشيرازي (ت 1059 هـ) مصنف و مدقق


{ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ }

وَخَلَقْنا لهم، من مثل الفُلْكِ مطلقاً ما يركبون من الإبل التي هي سفائن البر، وعلى الوجه الأول معناه: وخلقنا لهم من مثل ذلك الفلك المشحون وصورته من السفن والزوارق، التي عُمِلت بعد سفينة نوح (عليه السلام)، ما يركبون فيها كما ركب فيه.

انظر كيف روعِيَتْ المناسبة اللفظية والمعنوية أولاً بين لفظي " الفلك " ، و " الفلك " في الآيتين القرينتين.

أما المناسبة اللفظية فهي ظاهرة، أما المناسبة المعنوية فمنها ما نقلناه أوَّلاً في تفسير الفَلَك - بفتحتين -، ومنها ما ذكرناه ثانياً في تفسير الفُلْك - بالضم -.

ومنها: أنه لا بُدَّ لحركة كل منهما، بل لحركة كل من الثلاثة من محرك نفساني ذي إدراك ونُطْق، أما في الأخيرين فظاهر مشهور للعامة، وأما في الفَلَك بمعنى السماء، فهو أيضاً مبيَّن مكشوف للخاصة.

ومنها: أنه لا بُدَّ لِحَرَكَة كلٍ منها إلى محرك ملاصق هو طبيعة أو صورة، فيحتاج كل منهما إلى المُحَرِّكين المباشِرين للتحريك: أحدهما: المحرّك المدبِّر المفارِق - من نَفْس فَلَكي أو إنساني - وثانيهما: المحرك المباشر من طبيعة طائعة مجبورة، أو كارهة مقسورة.

ومنها: أنها تحتاج فوق المحرِّكَين المذكورَيْن، إلى محرِّك آخر مباين مفارق، هو من رياح رحمة الله، وبوارق ألطافه الخاصة والعامة، العقلية والحسية، فإن النفوس الفَلَكيَّة، كما بُرْهِنَ في الحكمة، لا تُحَرِّك الأفلاك حركة دائمة إلاّ بإمداد العقول القادسة، التي هي بوارق لطف الله، وجهات جوده ورحمته، بتجَدُّدِ اشراقاتها، وتوارُدِ رياح رَحَمَاتها، كما في قوله:هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ } [الرعد:12].

وكذا النفوس الإنسانية، التي هي عمّال السفائن، لا تنفع دقائق حِيَلِها وتدابيرها، في جَرْي السفن من دون هبوب الرياح من رحمة الله المالكة لجهات حركاتها، كما قال:هُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } [الأعراف:57] وكذا الحال في " فَلَكَة المغزل " فاعْرِفْه.

ثم انظر كيف تحققت المشابهة ثانياً، بين " الفُلْك المشحون " و " ما يركبون " ، أي: مراكب البحار، ومراكب البراري في الشكل والهيئة، ثم الخِلْقَة والطبيعة، ثم القوائم والأعمدة، ثم الجَرْيُ والحركة، ثم الآلات من الطناب والحبال والأعصاب وغير ذلك، مما يحتاج بيانه إلى التفصيل، ويؤدي ذكره إلى التطويل، فاقْضِ العَجَبَ حامداً لله، مثنياً عليه في خلقه تعالى هذه المخلوقات العجيبة، والعظيمة المنافع، ثم في إخباره تعالى عنها، وعن منافعها بأوْجَزِ عِبَارَة وأنور إشارة.

تلويح تأويلي

واْعلَمْ أصْلَحَكَ الله، أن مثلك في هذه الدار، وبحر الهيولى الموّاجة بما فيها من الصُّوَرِ والآثار، مثل السفينة في البحر، المُحْكَمَة الآلة، المُتْقَنَة الأداة خَلَقَها الله بِحِكُمَتِه، وسخَّرها لك بعنايته، وأجْراها برياح عنايته، فإنها لا يتهيأ لها السير إلاّ بِهُبُوبِ الرياح المحرِّكة إياها إلى الجهات، فإذا سكنت الريح، وقفت السفينة عن ذلك الجَرْي، ولا ينقص شيء من آلاتها إلاّ ذهابُ الرياح، كذلك جسد الإنسان إذا فارقته النفس وانقطعت عنه الإفاضة، لا يُتهيأ له تلك الحركة، ولم يُعْدَم من الله ولا ذهب من أعضائه شيء، إلاّ ذهابُ الريح وانقطاع الفَيْضِ عنه فقط.

السابقالتالي
2 3