الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير صدر المتألهين/ صدر المتألهين الشيرازي (ت 1059 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ }

{ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }:

يعني: وما أنزلنا لإهلاك قومه من بعد قتله أو دفعه، جنداً من السماء، أي: وما احتجنا في إهلاك قرية فَجَرَتْ وعَتَتْ عن أمر ربّها، إلى إنزال جند من قِبلِنا، كما احتاج الملوك في الغلبة على خصومهم، بأسباب ومعاونات خارجية، وأشخاص وجنود وآلات واوزار للحرب، بل إنما أَمْرُنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كُنْ فيكون. لأن القدرة الإلهية، ألطفُ وأمتنُ من أن تكون بواسطة أسباب محسوسة وأجناد مشهودة، إلاّ إذا اقتضت الحكمة إنزالَ العذاب على طائفة بهيئة خاصة، وصورة معيّنة، فيها عبرة للناظرين، ومصلحة للعابرين، فربما أوجبت المصلحة هلاك قوم على صورة دون أخرى، وهلاك قوم غيرهم على وجه آخر.

أَوَلاَ تَرىَ إلى قوله تعالى:فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } [العنكبوت:40]، ولا يبعد أن يكون شدة البأس، وعَظَمة هيئة الغضب، على طائفة شقية، بنسبة شقاوتهم وكفرهم، أو نسبة عَظَمة المبعوث عليهم، المنذر لهم، من نبي أو خليفة له، ولهذا أنزل الله جنوداً من السماء يوم بدر والخندق، قال تعالى:فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } [الأحزاب:9]،بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال:9].بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } [آل عمران:124]،بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [آل عمران:125]، مع أنه كان يكفي في اهلاكهم مَلَك واحد، بل ريشة واحدة، بل صَيْحة واحدة من صيحاته، بل إرادة واحدة منه بإذن ربه، فقد أُهلِكَتْ مدائن لوط، بريشة من جناح جبرئيل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصَيْحة.

ولكن، لمّا كان نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، جامع شؤون الأنبياء كلهم ظاهراً وباطناً، وحاوي شتات كمالاتهم وحالاتهم غيباً وشهادة، فضّله الله بكل شيء على كبار الأنبياء وأُولي العزم من الرسل، وأوْلاه من أسباب الكرامات والكمالات، ما لم يعطه أحداً، فأهلَكَ خصومه وجاحديه بفنون من الهلاك الجسماني والروحاني، كل بحسبه، فمِن ذلك، أنه أنزل جنوداً من السماء، ومن ذلك ما أشار بقوله:وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال:17]، ومنه قوله تعالى:وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [يس:9] ومن ذلك قوله:غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ } [المائدة:64].

وتفصيل وجوه العقوبات، على حسب مراتب الخصومات، لحبيب الله ورسوله، الجامع لجميع الفضائل والخيرات مما يطول، وشرحه خارج عن حد العقول، فلنكتف بمجمل هذا المقام، وهو أن لله نقمةً جليةً وخفيةً، كما أن له نعمةً ظاهرةً وباطنةً.

وقيل معنى الآية: وما أنزلنا على قومه بعدَه رسالة من السماء، قطع الله عنهم الرسالة حين قتلوا رسلهم، وهو مروي عن مجاهد والحسن، والمراد أن الجندَ هُم ملائكة الوحي، الذين ينزلون على الأنبياء، وهو إشارة إلى انقطاع الوحي عنهم، لسوء استعدادهم، وغلبة جحودهم وعنادهم لحامليه، وهذا أشدّ مراتب العقوبة، حيث يوجب الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي، الحاصل من فساد الإعتقاد، وبطلان الروح بانقطاع الأغذية الروحانية عنها، التي هي الإيمان بالله، والطاعة، والعلم، والعبادة، وتوارد السموم المهلكة لها، من الكفر والمعصية والجهل والغواية، وفي قوله تعالى:

{ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } [28]:

إشعارٌ لطيف بثبوت ضابطة كُلِيَّة، وقانون إلهي، في إهلاك كل طائفة من الكفرة الفجرة، بسبب مخصوص، يعني أن إنزال جنود من السماء، وألوف من الملائكة، لانتصار خاتم الأنبياء، مما لا يؤهله غيره، والعقوبة بها لا يناسبه إلاّ أعداؤه، الذين هم أعند الناس للحق، وأجحدهم للحكمة والمصلحة.

السابقالتالي
2