الرئيسية - التفاسير


* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } * { أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } * { فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } * { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ } * { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } * { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }

قرأ نافع وحده { يزلقونك } بفتح الياء من زلقت. الباقون بضمها من أزلقت، وهما لغتان: زلقت، وأزلقت. قال الفراء: يقولون: زلقت شعره وأزلقته إذا حلقته. والمعنى ليرمون بك ويلقونك.

يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله على وجه التوبيخ للكفار { أم تسألهم } اي هل تسألهم { أجراً } يعني ثواباً وجزاء على دعائك إياهم إلى الله وتخويفك إياهم من المعاصي وأمرك إياهم بطاعة الله { فهم من مغرم } أي هم من لزوم ذلك { مثقلون } أي محملون، فالأجر القسط من الخير الذي يستحق بالعمل. والمغرم ما يلزم من الدين الذي يلج فى اقتضائه. وأصله اللزوم بالالحاح، ومنه قولهإن عذابها كان غراماً } أي لازماً ملحاً قال الشاعر:
يوم الجفار ويوم النسار   كانا عذاباً وكانا غراما
وقولهم دفع مغرم أي دفع الاقتضاء بالالحاح، والغرم ما يلزم بالاقتضاء على وجه الالحاح فقط. والمثقل المحمل للثقل وهو ما فيه مشقة على النفس كالمشقة بالحمل الثقيل على الظهر، يقال: هو مثقل بالدين، ومثقل بالعيال ومثقل بما عليه من الحقوق اللازمة والأمور الواجبة.

وقوله { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } معناه هل عندهم علم أختصوا به لا يعلمه غيرهم، فهم يكتبونه ويتوارثونه بصحة ما يدعونه فينبغي ان يبرزوه.

ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { فاصبر لحكم ربك } الذي حكم عليك بالصبر وأمهلهم إلى وقت آجالهم { ولا تكن كصاحب الحوت } يعني ولا تكن فى استعجال عقابهم مثل يونس حين طلب من الله تقديم عقاب قومه وإهلاكهم، ولا تخرج من بين ظهراني قومك قبل ان يأذن الله لك فى ذلك كما فعل يونس { إذ نادى وهو مكظوم } قال ابن عباس ومجاهد: معناه مغموم، كأن الغم قد حبسه عن الانبساط فى أمره، والمكظوم المحبوس عن التصرف في الامور، ومنه كظمت رأس القربة إذا شددت رأسها، وكظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو اليه. وقال قتادة: لا تكن مثله فى العجلة والمغاضبة، حتى نادى يونس وهو ممنوع بقعطه عن شفاء غيظه، والذى نادى به { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } فجعله الله من الصالحين، بما بين لعباده من صلاحه، ويجوز بما لطف له حتى صلح فى كل ما امره الله به. وفي الكلام حذف، وتقديره: ولا تكن كصاحب الحوت فى استعجاله الخروج من بين قومه انتظاراً لنزول العذاب بهم، فلما رفع الله عنهم العذاب مضى على وجهه، فعاتبه على ذلك وحبسه فى بطن الحوت، فلجأ إلى الله تعالى. وقوله { إذ نادى } متعلق بتقدير: إذكر يا محمد حاله إذ نادى. ولا يجوز ان يكون متعلقاً بقوله { ولا تكن كصاحب الحوت } حين نادى، لان الله لا ينهى نبيه أن يقول مثل ما قال يونس من الدعاء.

السابقالتالي
2