Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }

معنى قوله { هو الذي خلقكم } أي انشأكم، وأخترعكم { من طين } ومعناه خلق أباكم - الذي هو آدم وانتم من ذريته، وهو بمنزلة الاصل لنا - من طين، فلما كان أصلنا من الطين جازان يقول { خلقكم من طين }.

وقوله { ثم قضى } معناه حكم بذلك. والقضاء يكون حكما، ويكون أمرا ويكون الاتمام والاكمال.

وقوله { أجلا وأجل مسمى عنده } قيل في معنام قولان:

أحدهما - قال ابو علي: كتب للمرء أجلا في الدنيا، وحكم بأنه أجل لنا، وهو الاجل الذي يحيى فيه أهل الدنيا الى أن يموتوا، وهو أوقات حياتهم، لان أجل الحياة، هو وقت الحياة، وأجل الموت هو وقت الموت { وأجل مسمى عنده } يعني آجالكم في الآخرة، وذلك أجل دائم ممدود لا آخر له، وانما قال له { مسمى عنده } ، لانه مكتوب في اللوح المحفوظ، في السماء وهو الموضع الذي لا يملك فيه الحكم على الخلق سواه.

وقال الزجاج: أحد الاجلين أجل الحياة، وهو الوقت الذي تحدث فيه الحياة، ويحيون فيه { وأجل مسمى عنده } يعني أمر الساعة والبعث. وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال بعضهم: { قضى أجلا } يعني أجل من مضى من الخلق { وأجل مسمى عنده } أجل الباقين.

والذي نقوله: ان الاجل هو الوقت الذي تحدث فيه الحياة أو الموت ولا يجوز ان يكون المقدر أجلا، كما لا يجوز أن يكون ملكا، فان سمي - ما يعلم الله تعالى أنه لو لم يقتل فيه لعاش اليه - أجلا، كان ذلك مجازا، لان الحي لا يعيش اليه. ولا يمتنع أن يعلم الله من حال المقتول أنه لو لم يقتله القاتل لعاش الى وقت آخر. وكذلك ما روي: أن الصدقة وصلة الرحم تزيد في الاجل، وما روي في قصة قوم يونس وأن الله صرف عنهم العذاب، وزاد في آجالهم، لا يمنع منه مانع، وانما منع من التسمية لما قلناه.

وقوله: { ثم أنتم تمترون } خطاب للكفار الذين يشكوُّن في البعث والنشور. احتج الله بهذه الآية على الذين عدلوا به غيره، فأعلمهم انه خلقهم من طين، ونقلهم من حال الى حال، وقضى عليهم الموت، فهم يشاهدون ذلك، ويقرون بأنه لا محيص منه. ثم عجبهم من امترائهم أي من شكهم في انه الواحد القهار على ما يشاء، وفي أنه لم يعبث بخلقهم وابقائهم واماتتهم بعد ذلك، وأنه لا بد من جزاء المسيىء والمحسن، ومثله قوله:يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإِنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم } ان الذي قدر على ذلك قادر على أن يبعثكم بعد أن تكونوا ترابا.

وقوله { وأجل مسمى عنده } رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: { ثم قضى أجلا }.