Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ }

هذه الآية عطف على ما قبلها والتقدير: انا أنزلنا القرآن المبارك لئلا يقولوا: انه ما انزل علينا الكتاب، كما أنزل على من قبلنا، او يقولوا: لو أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم في المبادرة الى قبوله والتمسك به، كما يقول القائل: لو أتيت بدليل لقبلته منك. ومثل هذا يستبق الى النفس.

وقوله { أهدى منهم } فلا دلالهم بالاذهان والافهام. وقد يكون العارف بالشيء أهدى اليه من عارف آخر، بأن يعرفه من وجوه لا يعرفها الآخر، وبأن يكون ما يعرفه به أثبت مما يعرفه به الآخر.

قال الرماني: والفرق بين الهداية والدلالة ان الهداية مضمنة بأنها نصبت ليهتدي بها صاحبها، وليس كذلك الدلالة، قال: ولذلك كثر تصرفها في القرآن، كما كثر تصرف الرحمة، لانها على المحتاج. وهذا فرق غير صحيح لان الدلالة أيضا لا تسمى دلالة الا اذا نصبت ليستدل بها، ولذلك لا يقال: اللص دل على نفسه اذا فعل آثار امكن ان يستدل بها على مكانه، ولم يقصد ذلك.

وقوله { لو أنا } فتحت (أن) بعد (لو) مع انه لا يقع فيه المصدر، لان الفعل مقدر بعد (لو) كأنه قيل: لو وقع الينا أنا أنزل هذا الكتاب علينا، الا أن هذا الفعل لا يظهر من اجل طول (أن) بالصلة، ولا يحذف مع المصدر الا في الشعر قال الشاعر:
لو غيركم علق الزبير بحبله   أدى الجوار الى بني العوام
فقال الله لهم { فقد جاءكم بينة من ربكم } يعني حجة واضحة { وهدى ورحمة } وادلة مؤدية الى الحق، ورحمة منه تعالى وانعام { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } يعني فمن أظلم لنفسه ممن كذب بآيات الله { وصدف عنها } أي اعرض عنها غير مستدل بها ولا مفكر فيها. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي.

فان قيل كيف قال { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } بأن يجحدها، ولو فرضنا انه ضم الى ذلك قتل النفوس وانتهاك المحارم كان اظلم؟.

قلنا عنه جوابان:

احدهما - للمبالغة لخروجه الى المنزلة الداعية الى كل ضرب من الفاحشة.

والآخر - انه لا خصلة ممن ظلم النفس اعظم من هذه الخصلة.

ثم قال تعالى { سنجزي الذين يصدفون } أي يعرضون { عن آياتنا سوء العذاب } أي شديده { بما كانوا يصدفون } أي جزاء بما كانوا يعرضون وهو ما أعد الله للكفار نعوذ بالله.

فان قيل: فهل للذين ماتوا قبل من خوطب بهذه الآية ان يقولوا هذا القول؟

قيل: لا، ليس له ذلك، لان عذره كان مقطوعا بعقله، وبما تقدم من الاخبار والكتب وهؤلاء أيضا لو لم يأتهم الكتاب والرسول لم يكن لهم حجة، لكن فعل الله تعالى ما علم ان المصلحة تعلقت به لهؤلاء، ولو علم ذلك فيمن تقدم، لانزل عليهم مثل ذلك، لكن لما لم ينزل عليهم علمنا ان ذلك لم يكن من مصلحتهم.