Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } * { أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } * { أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } * { كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ }

يقول الله تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين على وجه التنبيه لهم على الأدلة الدالة على توحيده واختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره { ألم تر } يا محمد ومعناه ألم تعلم { أن الله أنزل من السماء ماء } يعني مطراً { فسلكه ينابيع في الأرض } يعني أدخله في عيون الأرض ومنابعها. وقيل: السلوك دخول في الشيء، ولهذا حسن في صفة الماء الجارى، فقيل فسلكه ينابيع في الأرض، ويقولون: دخل في الاسلام، ولا يقال سلك في الاسلام، والينابيع جمع ينبوع، وهو خروج الماء من العيون. وقيل: الينبوع المكان الذي ينبع منه الماء تقول: نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه، وعيون الماء مستودع الماء، ونبع الماء إذا انفجرت به العيون.

وقوله { ثم يخرج به } يعني بذلك الماء { زرعاً } وهو كل ما ثبت على غير ساق، والشجر ما له ساق واغصان. والنبات يعم الجميع، يقال: تنبت النخلة والشجرة والحبّة تنبت نباتاً. وقوله { مختلفاً ألوانه } يعني صنوفه وقيل: مختلف الالوان من اخضر واصفر واحمر وأبيض: من البر والشعير والسمسم والارز والذرة والدخن وغير ذلك.

وقوله { ثم يهيج فتراه مصفراً } معناه يجف ويضطرب، فالهيج شدة الاضطراب بالانقلاب عن حال الاستقامة والصلاح، هاج يهيج هيجاً وهياجاً وهاج البعير هيجاً. وقيل: معنى { يهيج } أي يحمى ويجف، فكأنه عما يلحق الجميع يخرج إلى تلك الحال فيتغير عن لون الخضرة إلى لون الصفرة. وقوله { ثم يجعله حطاماً } فالحطام فتات التبن والحشيش. ثم قال { إن في ذلك } يعني في ما ذكره من انزال الماء من السماء وإنبات الزرع به ونقله من حال إلى حال { لذكرى } أي ما يتذكر به ويفكر فيه لاولي الالباب يعني ذوي العقول السليمة.

ثم قال تعالى على وجه التنبيه للحق { أفمن شرح الله صدره للإسلام } أي من لطف الله له حتى آمن وعرف الله ووحده وصدق نبيه { فهو على نور من ربه } يعني فهو على هداية من الله ودين صحيح، كمن كان بخلاف ذلك، وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قال { فويل للقاسية قلوبهم } يعني الويل والعقاب للذين قست قلوبهم { عن ذكر الله } حتى لم يعرفوه ولا وحدوه يقال قسى الشيء إذا صلب، كما قالثم قست قلوبكم من بعد ذلك } ويقال: غسا وعثا وقسا بمعنى واحد، ويقال ما اقسى قلبه إذا كان لا يلين لشيء. والمعنى كلما تلي عليه ذكر الله قسى قلبه. وقوله { عن ذكر الله } معناه غلظ قلبه عن ذكر الله. والقاسية قلوبهم هم الذين الفوا الكفر وتعصبوا له فلذلك قست قلوبهم. ثم قال تعالى { أولئك } يعني القاسية قلوبهم عن ذكر الله { في ضلال } أي عدول عن الحق { مبين } أي واضح ظاهر.

السابقالتالي
2