Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } * { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } * { إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ }

خمس آيات بصرى وشامي واربع فيما عداهما عدوا { مخلصين له الدين } ولم يعده الباقون.

يقول الله تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين منبهاً لهم على جهات نعمه التي انعم بها عليهم وما يدلهم على انه يستحق العبادة خالصاً، فقال { ألم تر } ومعناه الم تعلم { أن الفلك } وهي السفن تجري في البحر بنعمة الله عليكم { ليريكم من آياته } اي ليريكم بعض ادلته الدالة على وحدانيته، ووجه الدلالة في ذلك ان الله تعالى يجري الفلك بالرياح التي يرسلها في الوجوه التي تريدون المسير فيها، ولو اجتمع جميع الخلق ليجروا الفلك في بعض الجهات مخالفاً لجهة الرياح لما قدروا على ذلك. وفي ذلك اعظم دلالة على ان المجري لها بالرياح هو القادر الذى لا يعجزه شيء، وذلك بعض الأدلة التي تدل على وحدانيته، فلذلك قال { من آياته } ثم قال { إن في ذلك لآيات } يعني في تسخير الفلك وإجرائها في البحر على ما بيناه لدلالات { لكل صبار } يعني الصبار على مشاق التكليف. وعلى الم المصائب، وأذى الكفار { شكور } لنعم الله عليهم واضاف الآيات اليهم لما كانوا هم المنتفعين بها، وانما ذكر { كل صبار شكور } لأن الصبر عليه بأمر الله، والشكر لنعم الله من افضل ما في المؤمن. وقال الشعبي: الصبر نصف الايمان، والشكر نصف الايمان فكأنه قال: لكل مؤمن.

ثم قال تعالى { وإذا غشيهم موج } يعني إذا غشي اصحاب السفن الراكبي البحر موج، وهو هيجان البحر { كالظلل } اى الماء في ارتفاعه وتغطيته ما تحته كالظلل، قال النابغة الجعدي: يصف البحر:
يغاشيهن اخضر ذو ظلال   على حافاته فلق الدنان
شبه الموج لأنه يجيء منه شيء بعد شيء بالسحاب الذي يركب بعضه فوق بعض، ويكون اسوداً بما فيه من الماء { دعوا الله مخلصين له الدين } أي طاعة العبادة، فالاخلاص إفراد المعنى من كل شائب كان من غيره، أى يخلصون الدعاء في هذه الحال لله تعالى دون الأصنام وجميع ما يعبدونه من دون الله { فلما نجاهم } أي خلصهم إلى البر وسلمهم من هول البحر { فمنهم مقتصد } قال قتادة: يعني منهم مقتصد في قوله مضمر لكفره. وقال الحسن: المقتصد المؤمن. وقيل: مقتصد على طريقة مستقيمة { وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور } فالختار الغدار بعهده أقبح الغدر، وهو صاحب ختل وختر أي غدر قال عمرو ابن معدي كرب:
فانك لو رأيت أبا عمير   ملات يديك من غدر وختر
وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: الختار الغدار،

ثم خاطب تعالى جميع المكلفين من الناس فقال { يا أيها الناس اتقوا ربكم } امرهم باجتناب معاصيه خوفاً من عقابه { واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده.

السابقالتالي
2