Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }

النزول:

قال الحسن: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل مبعثه بما يجدونه في كتبهم من صفاته ودلائله، فلما بعثه الله جحدوا ذلك، وانكروه.. وقال مجاهد، والسدي: نزلت في رجل من الانصار يقال له الحارث بن سويد ارتد عن الاسلام، ثم تاب، وحسن إسلامه فقبل الله إسلامه بقوله: { إلا الذين تابوا } فيما بعد تمام الآية. وكذلك رويناه عن أبي عبد الله (ع) وقيل نزلت في قوم أرادوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يحكم لهم بالاسلام، وفي قلوبهم الكفر، فاطلعه الله على أسرارهم وما في ضمائرهم.

اللغة، والمعنى:

وقوله { كيف } أصلها للاستفهام، والمراد بها ها هنا إنكار أن تقع هذه الهداية من الله تعالى. وإنما دخل (كيف) معنى الانكار مع أن أصلها الاستفهام، لأن المسئول يسأل عن أغراض مختلفة، فقد يسأل للتعجيز عن إقامة البرهان، وقد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال، وقد يسأل لما يظهر فيه من الانكار، فالأصل فيه الاستفهام، لكن من شأن العالم إذا أورد مثل هذا أن يصرف إلى غير الاستعلام إلا أنه يراد من المسئول طلب الجواب، فان قيل كيف خص هؤلاء المذكورون بمجيىء البينات مع أنها قد جاءت كل مكلف للايمان قيل عنه جوابان:

أحدهما - لأن البينات التي جاءتهم هي ما في كتبهم من البشارة بالنبي (صلى الله عليه وسلم). الثاني - للتبعيد من حال الهداية والتفحيش لتجويزها في هذه الفرقة. وقوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } فالهداية ها هنا تحتمل ثلاثة أشياء.

أولها سلوك طريق أهل الحق المهتدين بهم في المدح لهم والثناء عليهم.

الثاني - في اللفظ الذي يصلح به من حسنت نيته. وكان الحق معتمده، وهو أن يحكم لهم بالهداية.

الثالث - في ايجاب الجواب الذي يستحقه من خلصت طاعته، ولم يحبطهما بسوء عمله. فان قيل كيف أطلق قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } مع قوله { فأما ثمود فهديناهم } قلنا: لأنه لا يستحق اطلاق الصفة بالهداية إلا على جهة المدحة كقوله أولئك الذين هدى الله. فأما بالتقييد، فيجوز لكل مدلول إلى طريق الحق اليقين.

وليس في الآية ما يدل على صحة الاحباط، للايمان ولا إحباط المستحق عليه من الثواب، لأنه لم يجر لذلك ذكر. وقوله: { كفروا بعد إيمانهم } يعني بعد إظهارهم الايمان وشهادتهم أن الرسول حق، وإن كانوا في باطنهم منافقين. وليس فيها أنهم كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين للثواب، فزال ذلك بالكفر فلا متعلق بذلك في صحة الاحباط.